search
إصدارات
ارتباطات
منطق أرسطو وتمثيل الإسلام
2/1/2012
 
يروي المفكّر العراقي علي الوردي حكاية طريفة تبيّن عقم المنطق الصوري، فيقول إن شخصاً كان ضيفاً على أحد شيوخ العشائر، وأخذ يتحدث في المجلس عن اختراع الثلاجة وأنها تبرّد الأشياء، فقام أحد الفقهاء وأنكر ما يقوله الرجل، وقال: الشيء الحار لا يمكن أن ينتج البرودة، وبما أن الكهرباء شيء حار، فإذن لا يمكن أن تنتج البرودة.

وذكر راشد الغنوشي، زعيم "حركة النهضة" في حوار أجري معه بأن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة كان عدوّاً للإسلام، لذلك واجه الإسلاميين بالقمع. ولو سُئل أي قيادي من قيادات الإسلام السياسي عن سبب معاداة كائن من كان لهم، أو حتى مخالفته رأيهم، لقال فوراً: لأنه يعادي الإسلام.

ويستنتج الغنوشي عداوة بورقيبة للإسلام من المنطق الصوري الذي ابتدعه أرسطو. ويتميّز هذا المنطق بصفتين، الأولى هي الصورية، أي الاهتمام بصورة الشيء بغض النظر عن مادته، والثانية هي الاستنباط، أي استنباط النتائج الصغرى من المقدمات الكبرى.

ويبيّن علي الوردي في كتابه "منطق ابن خلدون" خطأ المنطق الصوري وتجاوز العلم التجريبي له بحيث صار يطلق عليه المنطق القديم، فيقول عن صفة الصورية في هذا المنطق بأن المناطقة إذا بحثوا في قيمة مثل العدل، فإنهم يتصوّرونه شيئاً قائماً بذاته له صفات ثابتة، ويتباحثون ويتناقشون حول صورته المجرّدة، من دون النظر إلى محتواه الاجتماعي، ووقائعه الجزئية التي تتغيّر بتغيّر الظروف المحيطة به.

والإسلاميون ينظرون إلى الإسلام كما ينظر أحدهم إلى جبل لا يزال قابعاً في مكانه منذ أن خلقه الله، بينما الإسلام ليس صورة مجرّدة، إذ هناك الكثير من الوقائع الجزئية والمتغيّرات في الإسلام، وهناك مئات التفسيرات والتأويلات للمسألة الواحدة في الإسلام، وهناك إسلام العهد الراشدي، وهناك إسلام أموي، وآخر عباسي، ولا يزال يختلف إلى يومنا هذا ما بين إسلام "طالبان" وإسلام ماليزيا، وإسلام "الإخوان" وإسلام السلفيين.  

ويقول الوردي عن صفة الاستنباط في هذا المنطق بأنه يختلف عن منهج العلوم الحديثة الذي يعتمد على الاستقراء، أي الانتقال من الجزئيات إلى الكليات، بينما الاستنباط يعمل بالعكس، معتمداً على القياس الذي يتألف من ثلاثة أجزاء: مقدمة كبرى، ومقدمة صغرى، ونتيجة.

وهو ما فعله الغنوشي مع بورقيبة وذلك على النحو الآتي: 1- الإسلاميون يمثّلون الإسلام (مقدمة كبرى)، 2- بورقيبة واجه الإسلاميين بالقمع (مقدمة صغرى)، 3- إذن بورقيبة عدوّ للإسلام (نتيجة). والقضية ليست في بورقيبة وحده، إذ هم يستخدمون هذا المنطق مع كل من يخالفهم الرأي: 1- نحن نعبّر عن رأي الإسلام (مقدمة كبرى)، 2- فلان يخالف رأينا (مقدمة صغرى)، 3- فلان يخالف رأي الإسلام (نتيجة).  

ويقول الوردي بأن المقدمة الكبرى هي الأساس الذي يقوم عليه القياس، ودائماً تكون هذه المقدمة بديهية ومسلّمة يفترض فيها الصدق المطلق، ومن ثم تكون النتائج المستنبطة منها بالقياس الصحيح يقينية لا شكّ فيها. مضيفاً بأن هذا القياس استخدم كثيراً مطيّة للأهواء الخاصة والعقائد المذهبية، "فكل من يريد أن يبرهن على صحة مذهب أو رأي معين، فليس عليه إلا أن يبحث عن مقدمة كبرى تصلح لاستنباط الرأي أو المذهب منها".

والمقدمة الكبرى عند الإسلاميين هي أنهم هم من يمثّلون الإسلام ويعبّرون عن مقاصده، وما لم يتخلوا عن هذه المقدمة التي اختلقوها لأنفسهم وصدّقوها وخدعوا الناس بها، فإن كل من يخالفهم الرأي سيكون عدوّاً للإسلام.

Share |
|
|
|
لقمان
14/3/2013 03:39 AM
سلام عليكم الاستاذ الوردي برفضه للمنطق الارسطوطالي ، هو نفسه لجأ الى نفس المنطق لرفضه ، فاذا كان هذا المنطق باطلا ، فسيكون رد الاستاذ الوردي باطلا ايضا المناطقة يستدلون (المقدمة الكبرى) . استدلالاتهم باطلة (المقدمة الصغرى) المنطق باطل (نتيجة) فالاستاذ الوردي يستشكل على طريقة لجأ اليها هو ايضا ، فيكون استنتاجه خطأ ايضا واما بالنسبة للاستقراء ، فهو لا يدحض القياس ، بل كل منهم علم مستقل لا غناء عن كلاهما في حياتنا ، فالقياس مسير من العام الى الخاص ، و الاستقراء مسير من الخاص الى العام
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01