search
إصدارات
ارتباطات
البغال لا تبالي بما نكتب
11/3/2007

 

لو كنت أعرج لبحثت عن مقر سكن أحد الكُتّاب العرب وذهبت إليه بقدمي العرجاء وفي يدي كعكة لذيذة لأقدمها له عرفاناً مني بدوره في السخرية من حالتي والإساءة إليّ وإلى الملايين من البشر حول العالم ممّن يعانون مثلي. 

انتقد الكاتب قرار محكمة العدل الدولية بشأن جرائم الصرب في مقال عنونه بـ"العدالة العرجاء". ولم يمض سوى أيام وإذا عنوان "العور الدولي" يطلّ من المكان نفسه في مقال ينتقد فيه كاتب آخر دور الأمم المتحدة في قضية دارفور. وكثيراً ما كتبنا "القانون أعمى" لأنه لم يلتفت إلى كذا وكذا، و"الوزارة صمّاء" لأنها لا تسمع ما يتردد بين الناس عن كذا وكذا.

واستغلال عاهات البشر وتشوّهاتهم ليس بالأمر الجديد في الصحافة العربية، ولا هو من قبيل زلات اللسان أو من تكاسل المحررين في تنقيح ما يصلهم، بل هو اعتيادي كقولنا السلام عليكم، رغم أن اللغة العربية بحر يزخر بأكثر من مفردة للمعنى الواحد يمكن استخدامها من دون أن تجرح أحداً.  

ولا نزال نستعمل وبسخاء، وربما ذكاء، أوصافاً يوصف بها أشخاص ابتلوا ببلاء ما لتوضيح معنى سيئ وسلبي وبغيض وشرير وشنيع رغم أن الأمر لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بأولئك الأشخاص، وغاية ما في الأمر أننا غير منتبهين أو غير مبالين أو عديمي الإحساس ولا نعرف من اللغة العربية سوى كلمات قلائل نجترّها آناء الليل وأطراف النهار. 

ولن يسأل كاتب مقال "العرجاء" نفسه: ما ذنب الأعرج الذي قرأ مقالي العظيم؟. ولن يسأل صاحب مقال "العور" نفسه: ما ذنب الأعور الذي قرأ معلقتي المكتوبة بماء الذهب؟ فكلما نسي الأعرج أو الأعور أو الأعمى أو الأصم أو الأبكم ما به، واقتنع بأنه لا يختلف عن الآخرين في شيء، جاء كاتب ألمعي ليسخر منه. 

وكان بإمكان صاحب "العدالة العرجاء" أن يقول "العدالة النائمة هنا واليقِظة هناك"، وكان بإمكان صاحب "العور الدولي" أن يقول "الكيل بمكيالين"، و"القانون في واد والأوضاع في واد آخر" بدلاً من "القانون أعمى" و"الوزارة لا تسمع ما لا يعجبها" بدلاً من "الوزارة صمّاء". لكن ربما كانت هذه العبارات باهتة وكلاسيكية، والكاتب العبقري لا يرضى إلا أن يكون متميزاً، ولو على حساب الآخرين. 

وإن كان لابد من الوصف، فهناك عشرات الأوصاف التي لا يعترف كائناً من كان أنه يتصف بها، بعكس حالات الإعاقة أو التشوّه التي لا سبيل إلى إخفائها، فلا أحد يعترف أنه ظالم أو طامع أو مفترٍ أو قاسٍ أو أحمق أو ساذج أو أرعن أو غافل أو لئيم أو حاقد... الخ، وعليه تصبح العدالة "ظالمة"، والمجتمع الدولي "مفترياً"، والقانون "غافلاً".

وإن كان لابد للأوصاف أن تكون محسوسة، فالحمد لله الذي خلق آلاف الأنواع من الحيوانات التي تشتهر كل نوع منها بصفة مذمومة عند البشر، فالعناد عند البغل، والغضب عند الديك، والفضول عند الذباب، والانتهازية عند الغراب، فما المشكلة لو قال القائل إن "بعض أطراف القضية يعاندون مثل البغال"، فالبغال لن تهتم بالأمر ولن تُجرح مشاعرها، لأنها، ولحسن حظها، لا تعرف ماذا نكتب. 

Share |
|
|
|
أحمد أميري
13/3/2007 11:01 AM
الاخ درويش: شكراً، وكم هي محظوظة البغال في عالم اللا شعور واللا إحساس. الاخت إيمان أحمد: شكراً، ليس ركوداً عقلياً فحسب، بل غيبوبة شعورية. الأخت صفية الشحي: المشكلة أن جماعة العدالة العرجاء أكثر من أن نعتبرهم محسوبين على الكتابة، ربما هم الأكثرية بين الكتاب والإعلاميين ورجال السياسة.
صفية الشحي
13/3/2007 03:07 AM
بعضهم محسوبين على الكتابة أختك
إيمان أحمد
12/3/2007 11:37 AM
ركود عقلي..
درويش
12/3/2007 10:40 AM
(فالبغال لن تهتم بالأمر ولن تُجرح مشاعرها، لأنها، ولحسن حظها، لا تعرف ماذا نكتب) فعلا, كلامك صحيح 100% البغال بتم بغال وما بتتأثر بنظرية التطور الدارونية. والسلام.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01