search
إصدارات
ارتباطات
ماذا تفعل يداه؟
1/2/2012

في التراث حكاية رجل كان محمولاً على نعش وهو ينادي: يا للمسلمين، أنا حي، فيردّ المشيّعون: اسكت، هل نقبل شهادة واحد ونردّ شهادة أربعة عدول شهدوا بموتك؟

ومثل هذا حصل في إدانة داعية شهير بالاعتداء على حقوق الملكية الفكرية لإحدى المؤلفات، إذ أصيب الكثيرون بهستيريا عدم التصديق، وبدلاً من أن يفعلوا أي شيء إلا إنكار اعتداء الداعية على حق المؤلفة بعد صدور حكم بالإدانة، فعلوا هذا الشيء بالذات، وهاجموا المؤلفة وكل من تعاطفوا معها، وضاع صوتها وهي تقول: يا للمسلمين، هو مَن اعتدى على حقي وأنا مَن كسبت الدعوى، لكنهم يردّون: اسكتي، هل نقبل الأدلة والحكم ونردّ شهادة الداعية؟

مشكلة هؤلاء المنافحين أنهم لا يتصوّرون أنه يمكن أن تزل قدم داعية، إذ هم يخلطون بين شخصه "البشري" وبين الإسلام، هذا الدين العظيم.

فمهما فعل الدعاة من أخطاء، ومهما قالوا من أشياء غير صحيحة، أمام مايكرفون الوعظ أو بعيداً عنه، فإن الناس يتقبّلون منهم، ويحاولون إسكات أي صوت ينتقدهم أو يصوّب أخطاءهم أو يكشفها.  

واستمعت مرة لداعية يهاجم إحدى المجلات لأنها انتقدته وسخرت من أسلوبه في الدعوة. وأخذ الداعية يكرّر سؤالاً استنكارياً واحداً طوال الخطبة: "بصّوا إزاي بيحاربوا الله ورسوله والقرآن والإسلام ومن ثم الدعاة"؟. فمَنْ يهاجم أسلوب الدعاة يعني أنه يحارب الله ورسوله، وماذا يكون محارب الله ورسوله؟ هو يكفّر ضمناً من يهاجمه شخصياً، وهذا هو الكهنوت بشحمه ولحمه وعظمه لكن بملابس إسلامية.

متى يعي هؤلاء أن الوعظ والدعوة والإرشاد هي مجرد وظائف ومهن وحرف، وأن المهندس مهنة، بينما الهندسة علم مستقل عنه، وأن المهندس إنسان ينجح ويخفق، قد يصمم برجاً شامخاً فيصمد قرناً من الزمان، وقد يصمم بناءً من ثلاثة طوابق فيسقط على أم رأسه بعد ثلاثة أيام.

والغريب أن الدعاة أنفسهم يفسّقون بعضهم بعضاً، ويخوّنون، ويكفّرون أحياناً، ومنذ سنوات اتهم الدكتور يوسف القرضاوي الداعية عمرو خالد بخيانة الأمة بسبب سعيه لعقد مؤتمر توضيحي في الدانمرك على خلفية الرسوم المسيئة. فهل سبّ القرضاوي الإسلام وحارب الله ورسوله لأنه اتهم عمرو خالد بخيانة الأمة؟ إلا إذا كان الانتقاد مسموحاً به في محيط الدعاة أنفسهم بينما على الناس، أي العامة كما يسمّونهم، أن يؤمِّنوا كلما دعا الداعية أو خطب الخطيب، أي أن يقولوا آمين، سمعنا وأطعنا؟

ولو كانت الأرقام التي أعلنت عنها مجلة "فوربس" قبل سنوات بشأن "فلوس" الدعاة دقيقة، فنحن أمام تجارة مضمونة تدر ذهباً وقناطير مقنطرة من الدولارات، ويتحول هؤلاء الدعاة من مهنيين وحرفيين إلى تجار لا يختلفون عن تجار البازار في شيء إلا في نوعية البضاعة.

وفي التراث أيضاً أن صيّاداً كان يرتعد من البرد بينما يداه تنتفان ريش عصفور تمهيداً لشيّه وأكله، فقالت عصفورة لأختها بينما تراقبان من فوق غصن شجرة: انظري إليه وهو يرتجف رحمة بالعصفور وشفقة عليه. فقالت لها بغضب: بل انظري ماذا تفعل يداه.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01