search
إصدارات
ارتباطات
نحن لا نحبُّ البنات
18/2/2012

 

كانت تمرّ بمنطقتنا حافلات مراكز الفتيات الصيفية التي تفتح أبوابها في عطلة المدارس في أشهر الصيف، وكانت هذه الحافلات تأخذ الفتيات من منازلهن عند العاشرة صباحاً وتعيدهن عند الرابعة أو الخامسة مساءً، وهو الوقت الذي ننتشر نحن فيه في الفريج (الحي) للعب الكرة أو خوض المغامرات، والتسكّع عموماً.

وكانت إحدى هذه الحافلات تمر أمام ملعبنا الترابي مباشرة، وفي كل يوم كنا نتقافز أمام الحافلة عند مرورها، ونصفّر ونحاول أن نرمي إليهن بقصاصات ورق مسجّل عليها أرقام هواتفنا، هواتف البيوت بطبيعة الحال، إذ لم تكن الهواتف المتحركة قد انتشرت بعد. أما البنات، فإنهن يضحكن علينا ويشرن إلينا بأيديهن بما يعني: كم أنتم خائبين. 

وفعلاً كنا نشعر بالخيبة كلما انقضى يوم ومرّت الحافلة من دون اتخاذ أي إجراء عاطفي تجاه البنات، فلا الأوراق تصل، ولا السائق يخفّف من سرعته قليلاً، ولا يمكن فعل أي شيء سوى النظر والتصفير والتقافز، والتحسّر، فالصيف يمضي في مثل هذه الحالات كأنه الربيع.

وأنا هنا أتحدث باسم الجموع، لأنني شخصياً لم أكن متبلوراً بعد كمتغزّل بالبنات، وإنما كانت ملاحقة الفتيات جزءاً من خطة الإيذاء العامة، والتقافز أمامهن مجرد لعب وغباوة. ولم تكن هذه مشاعر أغلب شباب الملعب، فقد كانوا في سن الحب والعذاب.

لكن لا يمكن كتابة كلمة "بنات" ومواصلة العبارة كأنّ شيئاً لم يحدث، فربما كانت كلمة "بنات" لا تعني شيئاً الآن، لكن لم تكن كذلك في أيامنا.

ويرى المفكّر الفرنسي غوستاف لوبون أن معاني الكلمات متحركة ومؤقتة ومتغيّرة من عصر إلى عصر، ومن شعب إلى شعب، وأننا لا نستطيع فهم المعنى الذي كان لكلمة ما في الماضي إلا بعد بذل جهود كبيرة، ويضرب مثلاً في كلمة "الملك" بالنسبة لأجداد أجدادنا، يقصد أجداده هو، فمعنى "ملك" في فرنسا جماعة لويس، يختلف عن معناه في أيام نابليون، ويختلف المعنى الآن، وربما يأتي على الفرنسيين حيناً من الدهر لن يفهموا فيه معنى كلمة "ملك".

وكلمة مثل "ثلج" اختلف معناها لدى أهل الخليج بين ليلة وضحاها، أعني في اليوم الذي دخلت فيه الثلاجات بيوت الخليجيين، صحيح أننا نعيش منذ قرون على حرارة الصحراء ورطوبة البحر، لكن "ثلج" ما قبل المكيّفات والثلاجات لا تحمل الدلالة نفسها لـ"ثلج" الزمن الذي كان فيه هذا الشيء أغلى من الذهب. وربما كان الخليجي في زمن ما يلهج بكلمة "ثلج" ليل نهار، لكنني شخصياً لم تخطر هذه الكلمة ببالي منذ فترة طويلة. 

وبعد هذا التوضيح المطوّل، أرجو أن يتفهّم جيل "الفيسبوك" سبب القرار الذي اتخذه أخ لي يكبرني بسنتين، حين قرر أن يتصرّف ويضع حداً لهذا التلاعب بمشاعرنا وعدم احترام تقافزنا، فأخذ علبة رشّ ملوّنة ووقف أمام جدار يطلّ على الملعب، ويواجه منزلنا، إذ كان ملعبنا أمام بيتنا، وكتب بخط كبير: نحن لا نحب البنات.

ولا أذكر الآن ما الذي كان يخطر بباله وهو يكتب، ربما خطر بباله أن البنات سيشعرن بخيبة الأمل، وقد يرغمن السائق على التوقف أمام ملعبنا، ثم يدخلن معنا في مباحثات رسمية واجتماعات مطوّلة لبحث مسألة عدم حبنا لهن وسبب التغيّر المفاجئ في موقفنا: من قرود تقفز إلى أسود تزأر.

لكن مخططه فشل ولم يحفل بعبارته إلا أبي.. إذ لفتت العبارة نظره، ولم يكن يعرف شيئاً عن الحافلة ولا عن مهرجان القرود الذي كان يقام كلما مرّت أمام بيته، وذهب فكره إلى اتجاه آخر لم يخطر ببالنا جميعاً.

كنا نسند ظهورنا إلى الجدار الرافض لحب البنات ننتظر وصول بقية الأولاد للعب الكرة، وخرج أبي من المنزل وللمرة الأولى في حياته لم يصعد سيارته الواقفة أمام البيت وإنما أتى إلينا مباشرة.

وكنت في هذه اللحظة أفكّر في سبب مجيئه إلينا، فهو لم يسبق له أن تحدّث إلينا في الملعب، ولم أكن قد حصلت على أي تفسير وإذ بأبي يقف أمامنا ويشير بيده نحو تلك العبارة ويقول بغضب نادر: هل تريدون أن يُهدم هذا الجدار على رؤوسكم؟

وكل من لا يعرف القصة التي تقف وراء تلك العبارة فإنه سيفكر كما فكّر أبي، ولم يجرؤ أحد منّا أن يشرح له بأننا نحب البنات، وهيهات أن نكره البنات، وأن القضية كذا وكذا وأن هناك حافلة ونحن نتقافز بمرورها.

ولم نجرؤ أيضاً أن نقول له إن كاتب هذه العبارة المشبوهة هو ابنك هذا، وذهب أبي والأولاد يشعرون بالصدمة، وأخي مصعوق لا يدري ما يقول.

وعلى الرغم من أننا كنا نضحك بينما أخي يكتب تلك العبارة، وكنت أتمنى لو كتبت العبارة بدلاً منه، لجمال خطي مقارنة بخطه، إلا أننا تغيّرنا فجأة بعد الغضبة الأبوية ووجدتها فرصة لتقريع من يكبرني في السن: هل أعجبك ما حدث؟ هل ستفرح إذا أخبرنا أبانا بأنك الذي كتبت تلك العبارة اللعينة؟

قمنا بإزالة العبارة بطلاء لكنها بقيت محفورة في داخلي.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01