search
إصدارات
ارتباطات
قصة حب انتهت بركلة حرة
10/3/2012

جاءتني ركلة حرة أسفل ظهري قبل عشرين سنة، ويبدو أنه من المناسب الإفراج عن حكايتها الآن، إذ لم أعد أشعر معها بالفضيحة، ولم تعد تؤلمني، كما أنها أوقعتني في ساحة الدراسة بدلاً من التسكّع في الطرقات.

والذي حصل أنني أقلعت مع بداية السنة الدراسية للصف الثاني عشر عن عادة حب فتاة جديدة مع إشراقة صباح كل يوم جديد، فقد كنت أحب في اليوم مرة وأحياناً مرتين، وتقريباً، كنت أحب أي فتاة أراها. ولم أترك هذه العادة الحميدة إلا لأنني ابتليتُ بحبٍ حقيقي مع قرب افتتاح المدارس، إذ انتقلت أسرة صغيرة للسكن في منطقتنا واستطعت جرد محتوياتها من الكوادر البشرية: أم عجوز، وسيدة مع زوجها، وفتاة في مثل عمري، وولد صغير، وخادمة.

حددت الهدف وبدأت في تمثيل دور العاشق الذي وقع في فخ العيون الناعسة. ويبدو أن ذات العيون غير الناعسة، والعادية جداً، والتي لا أدري كيف صدّقت أنني متيّم  بهما، راق لها تمثيل دور ليلى العامرية.

وكان المشجّع على الحب أن هذه الأسرة لا تمت بصلة لأي بيت في الفريج، ومن ثم فإنني لن أسمع أحداً من الأولاد يقول بنبرة تأنيب: لا تنظر إليها إنها من أهلنا، كما أن شقيقها صغير يمكن أن أدهسه بعجلات دراجتي الهوائية، والرجل الوحيد في بيتهم لن يشغل باله في التفكير بولد مراهق مثلي.

بدأت أحوم صوب ديارها أبحث عن عظمة، أقصد نظرة فابتسامة، لكن بقية معادلة أمير الشعراء لم تكن تأتي وابن الملوّح عاجز عن إظهار مشاعره، إذ لم أكن أعرف أي شيء سوى البصبصة. وإزاء عجز اللسان وجبن الجنان، كانت الأوراق تؤدي الدور تماماً وبأقوى عاطفة، كاذبة بطبيعة حال المراهقين. كتبت رسالة أعبّر فيها عن مشاعري الجيّاشة وحبي الكبير، مذيلة باسمي ورقم هاتف منزلنا.

مرّت أيام ولم يتصل أحد، فكتبت: ما دمتِ لا تشعرين بحبي يا أميرة مملكتي، فلم تبادلينني النظرات أثناء ذهابك إلى البقالة المجاورة لشراء شيبس؟ ولم تصعدين فوق بيتكم لمراقبتي وأنا أجرّ نعالي على الأرض وأدخّن سيجارة الرجولة وأضع على رأسي قبعة بيضاء مثل جيفارا؟

ولم يكن هناك شيء سوى الصمت من جانبها وكتابة الرسائل من جانبي، إلى أن كتبت رسالة لا يمكن أن يكتبها إلا أحد نزلاء حديقة الحيوان، إذ كتبت بنبرة غاضبة أنني أسدٌ لا أرضى أن يلعب كائناً من كان بذيلي، وأنكِ تلاعبتِ بي كأنني قرد في سيرك، وحملقتُ في عينيك بما يكفي دخولي جهنم من أوسع أبوابها، ومع هذا، فلم أسمع صوتك حتى الآن، وإن "ألو" واحد منك سيوقف زئيري يا غزال براري قلبي.

ويبدو أن الغزال رضخ، وقالت بأن الخط الهاتفي لم يصل إلى بيتهم إلا اليوم، وأنها تودّ أن تلتقي بي، وضربت موعداً في محل للمفروشات قريب من منطقتنا، وأغلقت الخط في وجهي وأنا أحرّك رأسي في الهواء كما يفعل الأسد الذي يظهر في مقدمة موسيقى كرتون "توم وجيري".

وقفت أمام المرآة أبخُّ على كندورتي زجاجة عطر رخيص، وتأملت وجهي وأنا أنظر نظرات ناعسة وأهمس بكلمات الحب، وخرجتُ في إثر الغزال الليلي. وكنت أستطيع الوصول إلى المكان سيراً على الأقدام لعشرة دقائق، لكن ليالي سبتمبر حارة ورطبة ستبخر العطر الذي استحميت به، فأخذت "تاكسي" ومضيت إلى مصيري.

استخدمت حسّي القلبي ومسحت المكان، وحددت برميل قاذورات موضوع في زقاق ضيق ملاصق للمحل، وحلمت بها خلف البرميل ونحن نشرب معاً من كأس المحبة إلى أن نرتوي. ولم أكد أنتهي من الشرب وإذ بثلاثة من صناديد الشباب يحيطون بي ويسألني أحدهم عن اسمي.

اصطحبوني إلى داخل المحل وهناك رأيت فتاتي واقفة وإلى جانبها شقيقتها ومعها أربعة شباب، وفي هذه اللحظة عرفت الحقيقة، وهي أن الأوراق تراكمت يوماً بعد يوم حتى اكتشف أعداء الحب الأمر، فأعدوا هذا الكمين الجميل الذي يحضره لفيف من المدعوّين يتقدمهم زوج شقيقها الذي سألها: هل هذا هو؟

ولم أعرف ماذا قالت فتاتي إلا حين تسلّمت مشكوراً لطمة على وجهي، ثم لكمة على رأسي، وأخذ العدل مجراه بالأيدي والأقدام والنِعل وهم يدفعونني إلى خارج المحل لئلا تتكسّر طاولاته وأثاثه أثناء الحملة التأديبية، وكانت الضربة الأخيرة على عتبة الباب: ركلة أسفل ظهري أوقعتني على الحجارة البيضاء الصغيرة التي تزيّن مدخل محل الضرب.

وأحاطوا بي من جديد وهم يتندّرون: لو كنا نعرف أنك ولد صغير لاكتفى واحد منا بتأديبك، ثم جرّوني إلى حيث تقف وطلبوا منها أن تضربني، فقالت وهي تشيح بوجهها عني: أنا لا أضرب الصبيان. وغادرت هي وشقيقتها وبعضهم، وبقيت مع أربعة منهم قرروا تسليمي لمركز الشرطة.

وفي هذه اللحظة تذكّرت أنني لا زلت صغيراً، وأن حبيبتي غادرت ولن تقف أمامهم وتتحداهم أن يلمسوا شعرة في جسدي، وأنني لا أعرفهم أصلاً، ولم تنفع محاولات استعطافهم وتذكيرهم بأنهم ضربوني بما فيه الكفاية.

وفي السيارة، أخرجوا رسائلي وأخذ يقرأونها ويضحكون: المغازلة بالرسائل أسلوب في الأفلام الهندية يا غبي، وأرد: آخر مرة، هل ترضى على أهلك؟ وأرد: لا أرضى، هل أنت أسد أم قرد؟ وأرد: قرد. وكانوا كلما رأوا مركزاً للشرطة أو حتى للمطافئ قالوا: سنبلغ الشرطة، فأمثّل دور الخائف وأرجوهم ألا يفعلوا. ولحسن الحظ أنهم سألوني عن عائلتي، وتبيّن أن أحدهم صديق لأحد أقاربي، فتغيّرت الخطة وأرجعوني إلى البيت.

وأمام باب منزلنا طلبوا أن يتحدثوا إلى أهلي، وجلست ساعة أرجوهم لكنهم أصرّوا، فدخلت البيت، وتنفّست الصعداء بالطبع، وعميقاً، ثم أخبرت شقيق لي بأن مجموعة من الأصدقاء يودّون مقابلته. وبعد مباحثات سداسية أقرّوا فيها بضربي قليلاً، واعترفت بأنني تحرّشت بقريبتهم كثيراً، تقرر الآتي: إقفال القضية مع احتفاظ المشتكين بالرسائل.

كنا لا نزال في الأسابيع الأولى من العام الدراسي، وتسبّبت هذه الحادثة في شعوري بإهانة لا توصف لم أستطع الهروب من شبحها إلا بالانكباب على كتبي الدراسية، وبعد تسعة أشهر حصدت ثمرة الركلة العجيبة بحصولي على المركز الثاني على مستوى ثانويات دبي في الفرع الأدبي، والآن أستطيع القول إنني لم أتحمّل أن أرى كرامتي ممرغة في الثرى فكان لا بد أن أرفعها عالياً إلى الثريا. 

ولا أدري أين استقرت رسائلي الناعمة والغاضبة، لكن الذي عرفته بعد سنوات قليلة أن الشخص الذي احتفظ بالرسائل، والذي افتتح حفلة الضرب وختمها، والوحيد في الحكاية الذي لا زلت أتذكر ملامح وجهه، احترق في حادث سيارة.. ليرحمه الله ويجزيه خيراً عن ركلته المفيدة.


Share |
|
|
|
محمد يوسف
15/3/2012 9:11 PM
مهنتهن والله انه السالفه مضحكه والله انك سوالف طلعت يا بو محمد
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01