search
إصدارات
ارتباطات
شمس الحقيقة والظلام الإلكتروني
18/3/2012

إن كنت متزوجاً وتملك حساباً في "تويتر"، وسبق أن كبّرت صورة زميلة مغردة، وأخذت تحملق فيها لدقائق، فإن زوجتك يا عزيزي ستعرف، وهي تعرف الطريق إلى خزانة القباقيب، وكان الله في عون الصلعة.  

وإن كان لديكِ، أختي الإلكترونية، حين كنتِ مراهقة غاضبة، بريد إلكتروني باسم وهمي، فتاة أحزان قيثارة البجعة البيضاء مثلاً، وبعثتِ رسالة لناظرة مدرستكِ، أو زوجة شقيقكِ، فإنه سيتاح لهما في يوم ما معرفة صاحبة تلك الرسالة العدائية.

وإن كانت هناك منظمة باسم الماسونية، فهي آخر جهة في العالم ستُكشف أوراقها، وكل جهة أو شخصية دون الماسونية، فإن أسرارها لا تتمتع بالحماية، ومن ضمنهم أنا وأنت. وأعني هنا الحماية في الإنترنت، فمن يعيش بلا كمبيوتر يتمتع بحصانة أكبر من الماسونية، ولن نعرف ما فعل وما لم يفعل.

تبدأ الحكاية مع منظمة "ويكيليكس" التي سرّبت مئات الآلاف من الوثائق السرية المتعلقة بحروب بوش، ثم أخذت تسرّب البرقيات الدبلوماسية الخاصة بالأخوات أولبرايت وكونداليزا وهيلاري، والأسماء حسب الأقدمية.  

ولم تكن وثائق وزارة "الجميلات والوحش" موضوعة بالقرب من برميل قاذورات خلف مبنى الوزارة وتصادف أن الأسترالي جوليان أسانج كان يتنزّه هناك وعثر عليها، بل هي إما مسرّبة من مواقع إلكترونية تستضيف مواقع الحكومات، أو من أشخاص يعملون في هذه المواقع. ولا أريد أن أغوص عميقاً لأنني سأغرق في بحر الجهل بالبرمجة، والمهم أن جوليان لم يعثر على الوثائق بالقرب من برميل القاذورات في واشنطن.  

بالطبع، معلوماتي ومعلوماتك ليست أهم من معلومات تمسّ الأمن القومي الأميركي، ومَن لم يقرصه ضميره وهو يعرّض للخطر آلاف الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في تلك الوثائق، لن يشعر حتى بحكّة في ذقنه وهو ينشر ما يخصنا نحن. ومَن وقف في وجه أجهزة العالم كلها ونشر غسيل الدبلوماسية الدولية، يعتبرُ شخصاً مثلي ومثلك مجرد غبار على طاولة الإنترنت.

أنا أعرف ما يدور بخلدك الآن، لذا أدعوك لتأمّل خبر تسريب معايير نشر الصور في "فيس بوك"، وسرّب هذه المعايير موظف سابق في شركة متعاقدة مع "فيس بوك". هل لاحظت، كالعادة، هناك شخص يسرّب المعلومات؟

ولحسن الحظ أن المعلومات كانت تخص الموقع نفسه لا المشتركين فيه، ومن ضمن المعايير المعتمدة في "فيس بوك" هو التشدّد في نشر صور الجنس والتساهل في صور العنف، ويبدو أن معاييرهم تشبه معاييرنا، ومنع نشر صور بعض أنواع القذارة البشرية والتسامح في بعضها الآخر، فمثلاً، صور شمع الأذن لا يقبله "فيس بوك" الراقي لكنه يقبل بسعادة صور مخاط الأنف. والقضية ليست في الشمع أو المصابيح، وإنما في التسريب، فاليوم يسرّب موظف غاضب معايير النشر، وغداً يسرّب موظف ثمل الأرقام السرية لحسابات الأعضاء، من يعلم؟

يبدو أنك لا تزال غير مقتنع بترك الإنترنت والعودة للكتابة على عظام الحيوانات، إذن: هل أتاك خبر بيع "تويتر" لكل التغريدات التي أرسلها أكثر من مليون مغرد عربي بثمن بخس دولارات معدودة؟

وفي التفاصيل، أن شركة تتعامل معها "تويتر" تتيح لأي جهة، أو شخص، من أي مكان في العالم، شراء كل تلك التغريدات، حتى التي مسحها صاحبها، بما يعني ذلك الاطلاع عليها والبحث فيها، ومعرفة ساعة الإرسال، ومكانه، مقابل اشتراك شهري قيمته ألف دولار فقط، لا غير.

وأنت أعلم مني بالمنازعات القضائية بين منتجي الإبداع الأدبي والفني وبين مواقع الإنترنت بشأن حقوق الملكية الفكرية، فكل شيء قابل للانتزاع في الإنترنت، وأخشى أن يأتي يوم يسدّد فيه أحدهم طعنة سكين لشاشة كمبيوتر في مقهى بكولومبيا، فتنفذ إلى شاشتي في مقهى بدبي وتخترق بطني وأنزف الكثير من الفيروسات إلى أن تنطفئ حياتي. 

وهل سمعت آخر خبر: البريد الشخصي للرئيس السوري المخلوع بإذن الله بشّار الأسد تم اختراقه واكتشف وجود مراسلات بينه وبين الأخت هديل التي كانت تدلعه بوصفه بالبطة، وترسل له صور فاضحة يتسلى بها حينما تخرس زوجته أسماء وتأوي إلى فراشها.

وأشعر بأنك لا تزال متمسكاً بالـ"كيبورد" ولا تريد أن تحطّمه على رأسك، إذن تعال لنتخيّل معاً هذا السيناريو على ضوء ما سبق بيانه من جنابي لكم: ما الذي يمنع مواقع التواصل ومواقع "البرائد"، أن تتيح في يوم ما، لمن شاء، أن يدخل في حساب من شاء، ويطّلع على جميع رسائله وبياناته وحركاته الإلكترونية؟

ولا يهم هنا إن كانت الوليمة المعلوماتية تمت بشكل مشروع وبقصد البيع والتجارة بالمعلومات، أو بشكل غير مشروع من خلال موظف غاضب أو ثمل وبقصد الانتقام والتخريب. هل هناك ضمان بعد "ويكيليكس" وتسريب معايير "فيس بوك" وبيع تغريدات "تويتر"؟

وإليك الآن أكثر سيناريو مرعب خطر ببالي، وهو أن يتبرّع أحد الحمقى الافتراضيين بقرصنة جميع معلومات المواقع التي نتعامل معها: تواصل كـ"تويتر"، بريد كـ"ياهو"، بحث كـ"جوجل"، ثم يضعها في متناول البشرية عبر محرك بحث بسيط، ليكن اسمه "شمس الحقيقة" مثلاً، لا يتطلب سوى أن تضع فيه اسم الشخص المعني، أو أي بيانات أخرى، تاريخ ميلاد، مدينة، رقم الـ(IP)، ثم بنقرة واحدة يظهر كل شيء من أول لمسة له على لوحة المفاتيح إلى آخر لمسة.

مثلاً: في هذا اليوم كتب صاحب الحساب في تويتر الأخ "صوت الإيمان"، الذي هو زوج الباحثة في المحرك، رسالة مباشرة لفتاة في اليونان، وهذه صورتها يا أختي، فتقوم أختي هذه باستعراض تغريدات الفتاة فتجد هذه التغريدة: أنت شيطان يا صوت الإيمان، قلت لزوجتك الغبية أنك في العمرة بينما أنت في الطريق إلى اليونان؟ لووول.

أنا أعرف أن كثيرين، وأنا أولهم، سيبدأون في التفكير في "تحركاتهم" الإلكترونية والدعاء ليدوم هذا الظلام الإلكتروني، وأعرف أيضاً أن الوحيد الذي لن يرتعش له إصبع على "الكيبورد"، ولن يشغل باله بشروق شمس الحقيقة أو غروبها، هو الذي لا يلتفت يمنة ولا يسرة في الفضاء الإلكتروني، واثق النفس بكل نقرة نقرها على لوحة المفاتيح.

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01