search
إصدارات
ارتباطات
الرجل الذي طلب "كوفي شوب"
23/3/2012

ملاحظة بخط صغير: لا أنصح بقراءة هذا المقال لمن كانت لغته الإنجليزية أقل من 1 بالمئة أو أكثر من 10 بالمئة، إذ سيصعب عليه التفاعل معه.

دخل بثقة "كوفي شوب" يقع على شارع جميرا، وبدا عليه الاستمتاع بالأغنية الأجنبية التي تصدح في المكان، أغنية "اتز نت جودباي" للمغنية "لورا بوسيني"، وتصادف أن الأغنية في تلك اللحظة كانت في المقطع الذي تقول فيه لورا لأحد الخنافس: "من اليوم الذي تركتك ترحل، وإلى أن نلتقي مرة أخرى، إنه ليس وداعاً، إلى أن أراك ثانية، سأكون هنا أتذكرك عندها".

وبالطبع، هو لم يترجم كلمات الأغنية لكم، بل أنا الذي فعل، أنا راوي الحكاية، كاتب المقال، بالاعتماد الكامل على موقع "يوتيوب".  

توقف عن تمثيل دور الطرِب ووقف أمام رفوف الجرائد واختار جريدة إنجليزية. رفع الجريدة إلى أعلى وأخذ يدقق النظر في عناوينها وهو يهز رأسه ويصدر همهمات، اتجه صوب أقصى طاولة مبتعداً عن بقية زبائن الكوفي شوب، وأغلبهم أجانب، وما أن جلس على الكرسي حتى حضرت نادلة فلبينية ورحّبت به بالإنجليزية:

ـ جود إيفنيغ سير. تبسّم في وجهها وهو يشير بيده إلى شيء يشبه الكتاب: آلبوم.. آلبوم.

ـ آلبوم؟ ديو مين ذَ منيو؟ حكّ خده وقال: مين منيو؟ وكررت النادلة السؤال بفتور هذه المرة، فقال وهو يهز رأسه إلى الأعلى والأسفل: ييس ييس، آي منيو مين؟

غادرت النادلة ولاحظ أن أقرب جار له يقرأ في جريدة إنجليزية، فاستطال بعنقه ليقرأ ما هو مكتوب، وحين لاحظه الأجنبي أومئ له بأنه على استعداد ليعطيه الجريدة، فأومئ بدوره بما يعني أنه اكتفى بالقراءة الخاطفة.

حضرت النادلة وهي تحمل قائمة الطعام، تناولها وراح يدقق فيها باهتمام ويقلّب صفحاتها المرة تلو الأخرى، وفجأة لاحظ أن قائمة الطعام من الجهة الأخرى مكتوبة باللغة العربية، لكن حيرته لم تنته، إذ راح يقارن محتويات القائمتين برقم كل محتوى:

فرقم عشرون بالإنجليزية (Watermelon) يقابلها بالعربية "بطيخ الماء". (Soft Drinks) تقابلها "المشروبات الناعمة".. كيف يعني مشروبات ناعمة؟ قالها في نفسه. (Juice Carrot Fresh) "طازج جزر عصير".. وأخيراً وجد الطلب المناسب: سلطة خيار مع لبن، وبالإنجليزي: (Authority option With milk).

وضع القائمة جانباً وأجرى مكالمة من هاتفه المتحرك: ليلة جيدة أبا محمد، أنا في المقهى.. وفي هذه الأثناء حضرت النادلة ووقفت أمامه وهي تستعد لتسجيل طلباته في دفتر صغير، وأضاف: تقف الطباخة أمامي الآن تنتظر أن أتفوّه بأي كلمة إنجليزية. وصمت للحظة ثم أضاف بينما النادلة تلتفت إلى زميلاتها في الخلف وهي مبتسمة: أرغب في فنجان قهوة تركية سكّر زيادة، ولا أعرف كيف أعبّر عن مشاعري بهذه المناسبة، ثم لحظة صمت: وهل "بليز" ضرورية بعد كل جملة؟

ـ ...

ـ لكننا نحترم الآخرين أيضاً، ولدينا قائمة طويلة عريضة بآداب اللباقة، فنحن نقول مثلاً: فديت خشمك.

ـ ...

ـ كنت أعرف، شكراً لك.

وضع الهاتف جانباً ورفع رأسه وقال ببطء وتلعثم: "آي لاف يور نويز"، فخرج صوت منها ينم عن الدهشة، فاستدرك قائلاً: "كان آي هاف كوفي شوب؟"، ففتحت عيناها متعجبة وأعادت سؤاله: (Café Shop?) ، ثم سألته بالإنجليزية: هل ترغب في قهوة؟ فأشار بسرعة نحوها بسبابته بما يعني أنها أحرزت الإجابة الصحيحة، وأضاف: "وديو ييس.. كوفي تركي سام سويت بليز؟"، وما أن همّت بالمغادرة وهي تسجّل الطلبية، استدرك بالقول وهو يرفع سبابته من جديد: "بليز.. وَن، وَن سام سويت.. أون لي وَن.. نوت إليفنت"، بينما النادلة تغادر وهي تشير إلى زميلاتها بما يعني أنه مخبول.

بعد مضي وقت طويل يبدو المكان خالياً، وهو يجلس إلى الطاولة نفسها وأمامه كومة من الجرائد الإنجليزية. نظر إلى ساعته وهو ينفخ بغضب.. همّ بالنهوض لكنه قال في نفسه: إن غادرت المحل فربما يلحقوا بي ويعتذروا إلي ساعة من الزمن وأنا لا أعرف كيف أرد عليهم، ولا أعرف حتى كيف ألقنهم درساً، بالكاد أعرف حروف الأبجدية الإنجليزية، فكيف سأعطيهم درساً بهذه اللغة؟ لغة الضرب هي اللغة الوحيدة التي يفهمها كل البشر.

وفجأة انتبه إلى هاتفه المتحرك من نوع "بلاك بيري"، فأخذ يكبس على أزراره يكتب هذه الجملة: هذا ليس كلاماً، أنا طالب قهوة منذ ساعة، خلاص، خلاص، انتهى، كم حسابكم؟ لكنه تعجب من ترجمة الهاتف، إذ كلما كتب قهوة رد عليه الهاتف بـ"كوفي" وهو عرف من النادلة أنها تسمى "سام سويت". كما أصيب بالحيرة من عبارة "كم حسابكم؟"، إذ ربما ردّوا عليه كما يفعل العرب في مطاعمهم: "الحساب يوم الحساب"، بالإنجليزية بالطبع، فكتبها في الهاتف فجاءت الترجمة هكذا: "ذَ ماث ماتكس إز إن ذَ ديي أوف ذَ ماث ماتكس"، ففكّر في الرد المناسب وخطر بباله أن يقول: "نوه، ناو، ذَ ماث ماتكس".

وثب في مكانه ونادى بأعلى صوته: "حووه، يو، كام، يو"، وهو يشير إلى النادلة التي أتت مسرعة، بينما أخذ يزعق في وجهها: "إتس نوت توككنغ"، ثم وهو ينظر في ساعته: "آي ستيودنت سام سويت فروم وَن كُلوك"، فما كان من النادلة إلا أن غطت فمها براحة يدها وقالت بنبرة اعتذار: (I’m so sorry sir)، فرد بسرعة: "سو سو سو سير نوت توككنغ"، وأخرج محفظته من جيب كندورته بينما لورا لا تزال تغني لأحد الخنافس "إنه ليس وداعاً"، وقال لها وهو يلوّح بالمحفظة أمام وجهها: "فِنش، فِنش.. ناو.. هاو ماتش يور ماث ماتكس؟".


Share |
|
|
|
آمنة الشحي
24/3/2012 2:15 PM
السلام عليكم اشكرك اخي احمد على مقالتك الفكاهية والتي نشاهد منها يوميا في المراكز التجارية ، هناك الكثير من أشباه هؤلاء الذين يحشرون انفسهم في مثل هذه الاماكن " كوفي شوب" والذي يعج بالأجانب وهم يشعرون انهم في بيئتهم وبلادهم لان الخدمة والمكان تم بناءه وتشييده لسواد اعني لزرق أعينهم وليست لسواد اعيننا. في النهاية اشكرك مرة اخرى .
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01