search
إصدارات
ارتباطات
سألقن المشاهدين درساً
13/4/2012

ما بين التحدث في فصل دراسي أمام ثلاثين تلميذة، وبين التحدث أمام ملايين المشاهدين عبر استديو قناة mbc، لم أتقدم سنتيمتراً واحداً في طريق الثقة بالنفس أمام الجمهور.

قبل سنتين اتصلت بي شقيقتي وقالت إن ابنتها اقترحت اسمي لإلقاء كلمة أمام الطالبات عن الكتابة، فقلت فوراً: طالبات؟ فقالت: كلا، "فرفورات". اتصلت بالمشرفة واشترطت الآتي: لن أستعمل المايكرفون، لن أتحدث في قاعة مكتظة، سأقرأ من ورقة. وفي الحقيقة لم أقبل بمواجهة "الفرفورات" إلا للاستفادة من التجربة لمواجهة الإعلام، فكلما اقترحوا استضافتي في تلفزيون أو إذاعة، تهرّبت بحجة أنني لست خطيباً مفوّهاً.

كنت أشعر بمغص كلما تذكّرت اللقاء، وفي اليوم الموعود ذهبت حاملاً معي سلاحي: أوراق مكتوب فيها كل شيء. دخلت الفصل ووجدت الصغيرات خلف طاولاتهن ينتظرن الاستماع إلى الأستاذ الكبير، ولمحت من بينهن ابنة شقيقتي فشعرت بالاطمئنان، وأقنعت نفسي بأنني واثق من نفسي بتغيير وضعية الغترة يميناً وشمالاً. 

كان اللقاء عجيباً، رجل قصير عريض يختبئ خلف أوراق وهو يتحدث أمام فتيات هن في عمر ابنته لو كان قد تزوّج مع ظهور شاربه. وبعد الترحيب، الذي كان مكتوباً، رحت أتلو على البنات 1500 كلمة عن تجربتي، ومع كل فقرة هناك ملاحظة داخلية من مثل: "ولا يستطيع أحد فتح القفل من غير المفتاح (إشارة)"، فأحرك يدي في الهواء في أثناء إلقاء هذه العبارة كأنني أدير مفتاحاً في قفل.. بل حتى التمليحات كانت مكتوبة، فقلت مثلاً: "عليه أن يأخذ ما يفيده من الانتقاد ويرمي الباقي في البحر"، ثم رفعت رأسي وقلت وأنا مبتسم: "أو في سلة المهملات حتى نحافظ على البيئة". وكانت آخر عبارة قرأتها من الورقة هي: "شكراً لحسن الاستماع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

وفعلاً استفدت من هذا "اللقاء" ووافقت على إجراء حوار تلفزيوني مسجّل لبرنامج يعرض على قناة نور دبي، وفكرة البرنامج تتلخص في زيارة مؤلف وتركه يتكلم أمام الكاميرا عن عمله لمدة ربع ساعة تقريباً، وأسئلة البرنامج تكون في ثنايا حديث الضيف، فلا أحد يظهر أمام الكاميرا غيره.

كان سلاحي جاهزاً، واقترحت على المخرجة أن تجلس إلى جانب الكاميرا وترفع أوراق الإجابة، وكلما انتهيتُ من ورقة وأنا أنظر إلى جانب الكاميرا، أوقفوا التصوير ورفعت المخرجة الورقة التالية. كنت مضطراً إلى فعل ذلك، فكيف يستطيع من يواجه الكاميرا للمرة الأولى، أن يولد في اللحظة نفسها مثل هذا الكلام: "كي يواصل المبدع طريقه، يجب أن يكون لديه جلد تمساح، جلد خشن وسميك لا يتأثر بكلام الآخرين وانتقادهم المستمر، فهناك أشخاص في هذا العالم يكسرون مجاديف المبتدئ، ويطلقون النار على أحلامه، ويسخرون من تجربته".

لم يعرف أحد حقيقة الأمر إلا طاقم البرنامج، وأنتم تعرفون الآن، وأعتقد أنهم قالوا بينما سيارة المؤسسة تسير مبتعدة عن منزلي وسط الغبار: هل كان مجنوناً أم كنا نحن في حلم؟ أُقسم بأنني لن أجري "حواراً" مع هذا الإنسان مرة أخرى، هكذا ربما قالت الأخت المخرجة.  

وأذهل أدائي الجميع، إذ كنت منطلقاً في الحديث بعفوية وبكلام منمق لا يصدر إلا من أفواه المثقفين المخضرمين، واعتقد كل من يعرفني بأنني أصبحت "خلاص" أستاذاً، أقول كلاماً موزوناً عفو الخاطر، رغم أن بعضهم لم يعجبه كثرة التفكير بصوت مسموع أثناء اللقاء، أعني صوت "إييه"، وكان الصوت متعمداً أصلاً لأخدع المشاهدين بأنني أفكّر فعلاً ولست مجرد قارئ.

لكن كانت الفضيحة في برنامج على الهواء مباشرة من إذاعة الشارقة، إذ كلما طالبت مقدمه بالأسئلة، قال: اللقاء عبارة عن "دردشة"، فأقول له: يا رجل، لست "مدردشاً"، وقد أكتب كلاماً جميلاً لكن حديثي الشفهي أقرب إلى الكلام الفارغ. وتحت الإلحاح أعطاني محاور اللقاء.

كتبت على عجل أي شيء أعرفه، وكانت "اللخبطة" واضحة للمستمعين، إذ كان بالي مشغولاً بثلاثة أشياء في ثانية واحدة: بالورقة التي أمامي، وبالأسئلة المفاجئة، وبالجواب المنمّق واللائق الذي يجب أن يخطر ببالي فوراً كي ألقي به في المايكرفون. وظهر صوتي متقطعاً ومرتبكاً كأنني عجوز يكشف عن أخطر سر في آخر لحظات حياته. ولحسن الحظ أن أغلب المتصلين سألوا الضيف الآخر، وتركوني في حالي أراقب عقارب الساعة.

في مواقف سيارات مبنى الإذاعة قررت الامتناع عن إجراء أي لقاء مباشر، لكن بعد فترة جاءني اتصال من قناة سما دبي للقاء سريع على الهواء مباشرة، ولم تفلح محاولاتي مع الأخت المتصلة في إغلاق الهاتف في وجهي، وبقيت تحاول إلى أن قطعت أمامي وعداً بأن تلتزم المذيعة بالأسئلة المعدة سلفاً، فجلست في الاستديو بثقة، ومع كل سؤال كنت أسترسل في الإجابة، لأنني حفظت كل شيء خلف الكاميرا، لكنني عموماً قلت "مرقب" بدلاً من مركب.

آخر لقاء مع الإعلام كان قبل أيام على شاشة إم بي سي، واتفقتُ معهم على كل شيء، سألقن المشاهدين درساً من ورقة مكتوبة بيدي ومطبوعة في مخي، لكن قبل الظهور على الملأ بثواني أخبرتني مقدمة البرنامج الإعلامية لجين عمران بأن اللقاء سيكون "دردشة"، وقبل أن أستوعب الموقف كنت على الهواء. ولولا الخوف من جلب العار لعائلتي، وبث هذه اللقطة على اليوتيوب إلى الأبد؛ لقمت من مكاني وأنا أقول: هذه مؤامرة.. أوقفوا التصوير.

تماسكت بفضل آية الكرسي التي قرأتها في ثانية، واستطعت مجاراة المذيعة والمذيع ثماني دقائق لكن بإجابات من فئة "الأي شيء" خرجت من بين شفتي المرتبكتان، وفجأة تخيلت امرأة سعودية تجلس أمام التلفزيون في بيتها تقشّر البرتقال لطفلها، ومصريين في مقهى خان الخليلي يوشكون على الضحك، ومغربياً في مراكش يبحث في القنوات فيقف عند إم بي سي ويقول: لنرى ماذا يقوله هذا الآدمي؟ وبانتهاء التخيّل كانت لجين قد انتهت من سؤالها وتنتظر إجابتي، ولا أعرف ما الذي قلته في تلك اللحظة. والمهم أنهم لقننوني درساً على الهواء مباشرة في أنني لا أصلح للظهور الإعلامي المباشر.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01