search
إصدارات
ارتباطات
المعلم الذي حصل على دائرة حمراء
21/4/2012

 

اشتغلت في مهنة التدريس عاماً واحداً، وكان عدد طلبتي أربعة، ولدان وبنتان، وكنت الإخصائي الاجتماعي، وناظر المدرسة أيضاً.  

فلظروف أسرية، انتقلت شقيقتي الكبرى للسكنى معنا ومعها أطفالها الأربعة، وكان فارق العمر بيني وبين ابنتها البكر سنتين فقط، يعني أنني حظيت بلقب "خال" وأنا لازلت أمصّ المصاصة.

وكان هؤلاء الصغار التعويض الإلهي لكوني أصغر أبناء والدي، فكنت أحظى بالعناية التي يحصل عليها آخر العنقود، وأتمتع بالصلاحية التي للأخ الكبير، وكنت أتنقل في الأدوار معهم كأننا نعيش على رقعة شطرنج، فإذا كان وقت الشقاوة، فهم أشقاء صغار ألعب معهم، وإذا كان وقت ممارسة الضرب، فأنا خالهم.

كانت العلاقة غريبة لا يمكن وصفها، فإذا لعبت معهم ثم قررت أن أضربهم، فإن والدتهم تقول لهم بأنه يحق للخال تأديب أبناء شقيقته، رغم أنني كنت أتلقى الصفعات ممن هم أكبر مني. وإذا حاولوا الدفاع عن أنفسهم، فإنهم يصبحون في نظر الأسرة عصاة متمرّدين لأنهم تلاسنوا مع خالهم. وبالطبع لم يفكروا يوماً في مواجهة الركلة بركلة، وربما فكّروا، لكنهم كانوا عاجزين عن التنفيذ.

ومع بداية أحد الأعوام الدراسية، وكنت في الصف السابع، طلبت مني شقيقتي أن أساعد أبنائها في الدراسة متى سنحت الفرصة، وكنت أنتظر هذه الفرصة أصلاً لأنتقم من كل شيء حصل لي في المدرسة منذ الصف الأول.  

خصصت دفتراً لتقييم كل واحد منهم، وعصا للضرب، و"سبورة" صغيرة كنت أكتب في وسطها: بسم الله الرحمن الرحيم، وعن يمين البسملة: السبت 27/9/1986، وعن شمالها: اللغة العربية، وفي الأسفل: امتحان شفهي، وفي مقابل "السبورة" يجلس طفل بائس يتلقى الضربات من طفل أكبر منه.

فمثلاً، أجد في كتاب التربية الإسلامية آيات قرآنية مخصصة للدراسة، فأطلب من التلميذ تلاوتها غيباً، فيعترض بأنها للدراسة، فأضربه على رأسه: ألست مسلماً؟

ثم أفتح كتاب اللغة العربية، وأقول: قصيدة "الثعلب والديك"، فتقول الطالبة بتحدي: عادي، برز الثعلب يوماً في شعار الواعظينا، فأقول لها: توقفي، السؤال عن المدينة التي وُلد بها أحمد شوقي، وبذلك ألقي عصاي في راحة يدها.

وكان امتحان الرياضيات مثل استجواب بوليسي، فأقول: اليوم امتحان الرياضيات، فأسمع الطالب يتأفف، فيحصل على ضربة، ثم أمسك آلة حاسبة وأجري بعض العمليات الحسابية ثم أسأل: لديك 100 تفاحة، أعطيت 50 منها لصديقك، وأكلت 10 تفاحات، ثم أرجع لك صديقك 15 تفاحة، ورأيت 3 فقراء جائعين، فقسّمت ما تبقى لديك من تفاح عليهم بالتساوي، فكم تفاحة حصل عليها كل واحد منهم، علماً بأنك احتفظت بتفاحة واحدة لنفسك؟

ولأن فيتاغورث لا يستطيع حل هذه المسألة في ثانية واحدة، وهي الفترة المخصصة لتلقي الإجابة، فكنت أضطر إلى طرح سؤال أسهل بعد صفعة قوية ألصقها على وجه التلميذ تطير منها قطرات الدموع المتجمعة في عينيه.  

ولأن أجمل شيء في التدريس هو إعداد الامتحانات التحريرية، فقد كانت أيامهم كلها امتحانات، ولم يكن هناك تدريس أصلاً، فكنت أترك دروسي اللعينة وأفتح كتبهم السهلة وأبحث عن أسئلة تعجيزية أضمن أنني سأضربهم عليها.  

وكانوا كلما أنهوا امتحاناً تحريرياً، أخذت الورقة وصحّحتها ووضعت الدرجات، ثم آخذ الأوراق إلى وليّة أمرهم، وأقعد أصف لها مستوى كل طالب، وهي تقبّلني على رأسي لحرصي الشديد على أداء رسالة المعلم على أكمل وجه.

وفي لحظة جنون قررت إصدار شهادات نصف شهرية لطلابي، فذهبت للمكتب الذي يعمل به شقيقي حيث توجد آلة كاتبة، ورسمت على ورقة بيضاء خانات أفقية وعمودية، ومواد ودرجات عليا ودنيا، ومجموع، وللأسف، لم أستطع تخصيص خانة للترتيب، إذ كانوا في صفوف متفاوتة. ولم يكن هناك خانة لأيام الغياب، فمن يستطيع الغياب من البيت؟ علماً بأنني فصلت اثنين من الطلبة من المدرسة حين لاحظت أنني لا أستطيع السيطرة عليهما.

كما تضمنت الشهادة خانة لملاحظات مرشد الفصل، وتوقيع ولي أمر الطالب، مع ملاحظة في الأسفل تفيد بأن التلميذ لا ينجح إذا رسب في مادتين أو أكثر.

وعلى الرغم من الحزم التعليمي، إلا أنني كنت كريماً في التقييم، فلم يرسب أي واحد منهم في أي مادة، وربما في مرة واحدة فقط وضعت لأحدهم درجة أقل من درجة النجاح لأستمتع بوضع دائرة حمراء على العلامة، وهي الطريقة التي كانت تستخدم للفت نظر الأهالي لضعف أبنائهم في الدراسة.  

لكن الغريب أنني لم أحصل على أي دائرة حمراء في مشواري مع المدارس إلا في صف دراسي واحد، في الصف الأول الإعدادي، في مادة الرياضيات تحديداً.  

 

** على هامش المقال: لم أستطع المضي في كتابة هذا المقال بسبب الدموع التي كانت تجري على خدي، فأرسلت رسالة نصية للضحايا معتذراً لهم فيها عن الظلم الذي أوقعته عليهم داخل أسوار التعليم وخارجه، وكانت ردودهم غاية في اللطف والنبل، وتمنوا أن يحظى أولادهم بشقيق وخال و"معلم" مثلي.

 

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01