search
إصدارات
ارتباطات
كاتب.. وكيل نيابة
28/4/2012

 

اخترت وظيفتي وأنا في المدرسة الابتدائية: وكيل نيابة، فقد شدني الفنان محمد وفيق بأدائه دور وكيل النيابة كلما فتحت التلفزيون، خصوصاً في المسلسل الدرامي البوليسي "أبرياء في قفص الاتهام" والذي تدور أحداثه حول جريمة قتل أسرية، وكان وكيل النيابة يتردد على محل الجريمة في كل حلقة، ويحبس أفراد الأسرة في "خانة اليك" وهو يوجّه إليهم الأسئلة النارية بينما ينفث دخان سيجارته في وجوه المشاهدين.

كان الدور مشوقاً، تمارس ذكاءك وفطنتك على أهل بيت تورط أحدهم في قتل أحد أفراد الأسرة والشبهات تحوم حول الجميع، خصوصاً إذا كانت ناهد جبر وعزة كمال وسحر رامي مشتبهاً فيهن، وأتخيّل نفسي وأنا ألف حبل المشنقة حول عنق ناهد جبر مثلاً، إحساس رائع ويزيد روعة بطبع قبلة الوداع على جبينها.   

ونمّطت السينما المصرية صورة وكيل النيابة في ذهني، فهو يدخل أي مكان ويحقق مع أي شخص يمر أمامه ويخترق كل خصوصياته ولا أحد يسأله "تلت التلاتة كام؟"، ورحت أكتب في كومة الدفاتر المخصصة للخربشة بخط كبير وأنيق: وكيل النيابة/ أحمد أميري. وربما كتبت هذه العبارة مليون مرة منذ الابتدائية إلى أيام الثانوية. 

وحين تخرجت من المدرسة لم أكن أحلم إلا بأن أصبح ضابطاً في الشرطة، لكن الدفاتر لم تنس خربشاتي، ووجدت نفسي في النيابة العامة بدبي. لكن هل تحقق الحلم؟

نعم تحقق في جزئية المكان الذي يعمل فيه وكلاء النيابة، لكن ليس بوظيفة وكيل نيابة وإنما كاتب لدى وكيل نيابة، كأن يحلم شخص بأن يكون طياراً، فيصبح الفني الذي يتحقق من "براغي" الطائرة.

ولم تكن المشكلة في وظيفة الكاتب وإنما في شاغلها الذي كان يحلم منذ طفولته بأن يصبح وكيل نيابة، وبدلاً من أكون محمد وفيق أصبحتُ الكومبارس الذي يجلس إلى جانبه في الأفلام منهمكاً في الكتابة ولا يرفع رأسه أبداً. وعموماً، وكيل النيابة السينمائي لا يشبه الحقيقي في أي شيء، فلا زيارات منزلية مفاجأة، ولا حرق للأعصاب بنيران الأسئلة، ولا حتى ناهد جبر.

وكنت أصارح أحد وكلاء النيابة بحلمي الضائع، وأسأله عن مدى قانونية الخطط التي تخطر ببالي كي أوهم الآخرين بأنني وكيل نيابة لكن من دون أن أكون قد ارتكبت جريمة انتحال صفة الغير.  

فأقول له: لنفترض أن شخصا سألني عن عملي، فقلت له: أعمل في النيابة العامة، ففتح فم الدهشة وسأل: وكيل نيابة؟ فأدرت وجهي وقلت بنبرة قلقة: معدل الجرائم في ازدياد، فاعتقد السائل بأنني وكيل نيابة، فهل أكون منتحلاً هذه الوظيفة بينما أنا لم أدعيها بلساني؟

ولنفترض سيناريو آخر: سألني الشخص فغطيت فمي براحة يدي وقلت بصوت يختلط بكحّة وهمية: كاتب، ثم بصوت واضح بعد توقف الكحّة اللعينة: وكيل نيابة. أو سألني فقلت وأنا أتنهّد: كاتب، ثم لحظة صمت: وكيل نيابة. أو سألني فقلت: المفترض وكيل نيابة، فأنا أقصد هنا أنه كان يفترض أن أصبح وكيل نيابة، وهو سيفهم بأنني إنسان متواضع وأرمي الإعجاب بالوظيفة على كاهل الافتراض.

ولم يكن الهيكل التنظيمي للنيابة العامة معروفاً لدى الناس في ذلك الوقت، فقد تأسست سنة 1992 والتحقت بالعمل فيها في السنة التالية، وكان يكفي أن تقول للسائل: أعمل في النيابة العامة، فيعتقد أنك وكيل نيابة.

وكنت أقترح على صديقي ممازحاً بأن يأمر أحد أفراد الشرطة بمرافقتي إلى إحدى الوزارات تعمل فيها فتاة أحبها بينما هي لا تتصدّق علي حتى بنظرة من باب الفضول، لنمثل معاً هذا المشهد:

يدخل الشرطي مكتبها وهو يحمل ظرفاً فارغاً ويسألها عن قسم التعيينات، وهي تعمل أصلاً في قسم آخر، فترشده إلى القسم المعني وأثناء مغادرته أدخل أنا مكتبها، فيقف الشرطي أمامي باحترام ويؤدي التحية العسكرية ويهتف بصوت عال: سلام عليكم سيدي! فأرد بلا اهتمام، ولا بد أن وجهها سيتهلل حينئذ وتسألني بلطف: كيف يمكن مساعدتك سيدي؟ ثم بفضول: بالمناسبة، أين تعمل؟ فأقول: في النيابة العامة، فترد بسرعة: وكيل نيابة؟ فأطأطئ رأسي تواضعاً، فتقع في حبي فوراً وتقول: أحببتك من أول تحية عسكرية، هل تستطيع أن تقبّلني يا حبيبي؟ فأقول: لا أستطيع، يجب أن ترتكبي جريمة أولاً يا سيدتي.  

ولحسن الحظ أن القانون كان يقف في صفي كما كان يقول صديقي وكيل النيابة، بل كان يقول بأنني أستطيع أن أقول بصوت مرتفع وبثقة: أنا وكيل نيابة، فما دام لم يقترن هذا الانتحال بعمل أو بمظهر يُدعم الاعتقاد في صحة ذلك الزعم، ولم يقترن بتحقيق غرض غير مشروع أو الحصول على مزية من أي نوع، فإن زعمي أو ادعائي لا يُعد جريمة، وهو مجرد كلام فارغ.

وأنا كنت أبحث عن الكلام الفارغ، إذ لم أكن أخطط لتنفيذ جريمة بأن أنتحل صفة وكيل نيابة للحصول على مزية، وكل ما في الأمر أنني كنت أخجل من حلمي الذي تضائل كثيراً. ولحسن الحظ أنني كنت عاقلاً بما فيه الكفاية لئلا أدعي ادعاءات فارغة، ولو لمجرد "الفشخرة" والشعور بالنقص، إلا في مرة واحدة كنت مضطراً إلى التلاعب بالألفاظ لأفلت بجلدي من الضرب وكندورتي من التمزّق.

والذي حصل أن سيارة انحرفت باتجاهي في وسط الدوّار، فاضطررت إلى التوقف المفاجئ وسقط عقالي على المقود وأنا أضغط على الهرن بقوة، وقبل أن يعود إلي هدوئي كانت السيارة قد استدارت وأوقفها قائدها أمامي وترجل منها أربعة شباب، كل واحد منهم يستطيع أن يحطم رأس أربعين شخصاً مثلي، فكان ميزان القوى هكذا: 160 شخصاً ضد شخص واحد في قوة شخص واحد منهم.

وبعد أن زعقوا في وجهي وأغرقوه برذاذ أفواههم المفتوحة مثل النمر، زعقت قليلاً فاقترب أحدهم مني كثيراً حتى لامس أنفه أنفي متحدياً، فقلت وأنا أتراجع: أعمل في النيابة العامة. وتخيلت بأنهم سينحنون أمامي ويتشبثون بقدمي يقبّلون نعالي الأسود وهم يبكون ويعتذرون، بينما أنا أبعدهم بقدمي الأخرى. لكنهم بدأوا يدفعونني للأمام وإلى الخلف وهم يقولون باستخفاف: وكيل نيابة؟ ولذلك ترفع أنفك وتقود السيارة كأن الشارع ملك أهلك.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01