search
إصدارات
ارتباطات
حجزوا سيارتي فأطلقوا قلمي
28/4/2012

 

بدأت أتعرف على الصحف في سن العاشرة، ووجدت شروط الانضمام إلى زمرة المساهمين في صفحة القرّاء سهلة، فنصف ما يُنشر فيها منقول من الكتب، مِن مثل: "هل تعلم؟" و"أخطاء شائعة" و"قل ولا تقل".

جمعت مجموعة من "الهلْ تعلميات" وبعثتها للجريدة، وكانت المفاجأة أن "الموضوع" نُشر بعد أيام، فشمّرت عن سواعد "التأليف" واستخرجت عشرات المعلومات من بطون الكتب ورحت أرسلها تباعاً، إلى أن وجدت رداً من المحرر: إلى فلان، يرجى إرسال موضوعات تحمل رأي الكاتب.

تعجبت من هذا الرد، فكيف أضع رأيي في معلومة تقول إن الزرافة لا صوت لها، هل أضيف مثلاً: لكنني أرى أن للزرافة صوتاً هادراً يسمى "شرشرة الزرافة"؟ وبقي المحرر ساذجاً في نظري إلى أن فهمت أن رأي الكاتب يعني ما يودّ قوله في أمر يشغل باله، لكن من أين آتي بالرأي وأنا تلميذ في الابتدائية؟ كان الرأي الوحيد الذي يخطر ببالي هو إغلاق المدارس وتسريح الطلبة.

ومع أول ظلم مروري تعرّضت له، اندفعت بتهور وكتبت موضوعاً يحمل رأيي هذه المرة، انتقدت فيه المخالفة كأنها حكم إعدام، ولم تكن سوى حجز سيارتي مدة شهر كامل بسبب الزجاج الملوّن، لكن السيارة الأولى للشاب هي بمنزلة فتاة أحلامه وأم عيال شقاوته.

ذهبت لمقر الجريدة بسيارة أجرة كاسف البال وسلّمت عريضة الاحتجاج لحارس المبنى، ثم اتصلت أبحث عن المحرر. ولأنني لم أكن أعرف مواعيد عمل المحررين، فلم أجده إلا بعد أيام في منتصف الليل وقال بلا اهتمام إن المقال صالح للنشر، وخشيت أن أسأله عن ساعة الصفر لئلا ينزعج وينتهي المقال إلى سلة المهملات.

بقيت أكثر من أسبوع أسهر إلى الفجر، آخذ نسختي من العامل الذي كان يقف في تلك الأيام على أرصفة الشوارع، وأبحث عن مقالي الذي سيهز إدارة المرور ويربك حركة الضباط، وأقعد أبحث في صفحة مساهمات القراء، وحين لا أجده أقول ربما نشر خطأ في صفحة أخرى، فأغربل كل صفحات الجريدة فلا تسقط منها سوى علامات التعجب، وحين نُشر المقال، اشتريت ثلاث نسخ من الجريدة ومضيت سريعاً صوب كورنيش بحيرة خالد بالشارقة.

وبالطبع، قرأت المقال في الطريق قراءة سريعة ألف مرة، وعلى الكورنيش قرأته مرة بصمت الخاشعين، ومرة بنبرة المحامين، ومرة بنبرة مقدمي الأخبار، ثم تحركت بالسيارة التي كنت أستأجرها وأخذت شاي "كرك" وعدت إلى المكان نفسه لأقرأ هذه المرة بتركيز شديد بينما دوائر دخان السيجارة يلتف حول أصابعي.  

وأحدث المقال دوياً شديداً في عقلي فقط، ولم أسترجع مركبتي إلا بمضي الثلاثين يوماً بالضبط، وأذكر أنني خرجت من شبك الحجز وعدت إلى التحليق الأرضي بسرعة 180 كيلومتراً في الساعة، على صوت طلال سلامة وأغنية: "في سحابة.. على متن موتري.. في سحابة"، مع الاعتذار له وللشاعر.

لكن رُبّ حجز أطلق قلماً، إذ خلال سنة واحدة نشرت لي الجريدة نحو خمس عشرة مقال كنت أحفظها غيباً، فالطقوس التي رافقت المقال الأول استمرت وزادت. لكنني وقعت في الخطأ القاتل الذي يقع فيه كثير ممن يساهمون بالكتابة للصحف والمجلات، فمقالي السادس عشر قطّع تقطيعاً وصار بقايا أفكار، فكان أن سددت ضربة موجعة للجريدة بالتوقف عن الكتابة فيها، وأعتقد أن مبيعاتها زادت بعد ذلك.

بقيت لمدة ثماني سنوات أجتر مقالاتي الخمسة عشر، أعود إليها كلما تذكّرت "مشواري" مع الكتابة، وكان الأمر مجرد ذكرى طيبة مع انعدام الرغبة في العودة، لأنني كنت أعتبر هيئة التحرير مجموعة من العباقرة بالمعكوس. وفوق هذا، يهضمون حق الكاتب في إبداء رأيه "على راحته"، كأن الصحيفة لا عمل لها إلا إيصال رأي الكاتب إلى عين القارئ مثل ساعي البريد.

وكانت أجمل صدفة في حياتي حين رأيت موزّع مجلة جديدة يدور في المكان الذي كنت أعمل فيه، أعطاني نسخة منها ومضى، وبعد أيام تزحلق مقالي الأول إليهم عبر البريد الإلكتروني، ونُشر سريعاً، وجاءني اتصال من سكرتير تحرير المجلة يدعوني لزيارتهم.

منذ تلك الزيارة التاريخية بالنسبة لي وإلى يومنا اليوم، لم أتوقف عن الكتابة رغم مقصات المحررين الذين كان بعضهم يقص وهو مغمض العينين، لدرجة أن أحدهم تلاعب في كلمات أبيات شعرية ضمّنتها في أحد مقالاتي من دون مراعاة لوزن أو قافية، وحين عاتبته ارتفع صوته، وارتفع صوتي في المقابل، إلى أن قال: ومن تعتقد نفسك، نجيب محفوظ مثلاً؟

أغلقت الهاتف واتصلت برئيس تحرير المجلة أخبره بقراري النهائي بالتوقف عن الكتابة، لكنه كان حكيماً قبل أن يكون رئيس تحرير، وقال بعد فاصل من "التهزيء" الأبوي: كل العاملين في الصحف سيتقاعدون يوماً، والكاتب هو الوحيد الذي سيبقى.

 

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01