search
إصدارات
ارتباطات
برلمانيون لا يمتلكون سيارات
12/2/2012

تدور في "تويتر" تغريدة تقول: "أعضاء مجلس الشعب المصري الجديد 498.. أكثر من 140 حافظاً للقرآن، 100 حافظ للحديث، 50 لا يمتلكون سيارة، 170 دكتوراً، 350 تعرضوا للاعتقال". ولا تهم صحة هذه الأرقام أو دقتها، وإنما تجميعها ونشرها لتقول ضمن ما تقول إن البرلمان الذي ينتخبه الشعب في انتخابات حرة ونزيهة، تكون هذه نتائجه.

قد يؤدي البرلمان المصري الجديد عملاً تشريعياً رائعاً، لكن الذي لا أفهمه هو ربط مثل هذه الأمور ببرلمانيين يفترض أنهم سينقلون البلد من حال إلى حال: من الاستبداد إلى الديمقراطية، من الفساد إلى الإصلاح، من المحسوبية إلى المحاسبة، من حكم العسكر إلى حكم مدني.

وليس في "المؤهلات" المذكورة ما يكفي، وحده، لإحداث ذلك التغيير الذي حلم به شباب مصر وعجائزها، مسلموها وأقباطها، رجالها ونساؤها. وليس في المقابل في مؤهلاتهم ما يمنع ذلك، لكنني أتحدث هنا عن فكرة ربط هذه المؤهلات بالبرلمان.

فلو جئنا إلى حفظ القرآن، فإنه بحسب المنطق نفسه، وليس أي منطق آخر، لا يغني حفظه عن تطبيقه في شيء اللهم إلا حسنات يجنيها الحافظ، وقيل لأحدهم إن فلاناً حفظ القرآن، فقال فوراً: زادت نسخة. وكم كان ذلك الخليفة صادقاً مع نفسه حين بُويع بالخلافة، فنشر المصحف وقرأ فيه ثم طبقه وقال: هذا آخر عهدي بك.

"عندما رأيت أحد النواب البارزين يقرأ المصحف خلال الجلسة خطر ببالي أن الناس لم ينتخبوا ممثلاً لهم في البرلمان من أجل أن يقرأ القرآن الكريم تحت قبته"، هكذا يقول عطاء الله مهاجراني في مقال له عن البرلمان المصري الجديد، ومهاجراني يتكلم عن خبرة، فقد كان ابناً باراً لنظام "الملالي" وعضو برلمان ووزير ثقافة في جمهورية إيران الإسلامية، قبل أن يتمرد.

والأمر نفسه بشأن حفظ الحديث، ولعلّه من المفيد التذكير بأن خلفاء الإسلام هم أقرب إلى السُنة النبوية من البرلمانيين حفظة الحديث، ومع هذا طبّق بعضهم السُنة وتركها بعضهم الآخر، فعمر بن الخطاب قال وهو فوق المنبر: "إذا أصبتُ فأعينوني، وإذا أخطأت فقوّموني". فقال له رجل من الناس: "إذا أخطأت قوّمناك بسيوفنا". أما عبدالملك بن مروان فقد ختم خطبته بالقول: "والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربته عنقه".

والإمام علي كان يخطب في حشد من أتباعه حين قال له رجل: "قاتله الله كافراً ما أفقهه". فوثب القوم ليقتلوه، فقال علي: "رويداً، إنما هو سبٌّ بسب أو عفو عن ذنب". أما المأمون العباسي فقد عذّب ابن حنبل بشأن مسألة كلامية مثل "خلق القرآن".

ولا أدري ما هي الميزة في عدم امتلاك أعضاء برلمان سيارات؟ وما علاقة هذا بالعمل التشريعي والرقابي؟ هل لإظهار زهدهم مثلاً، أو استقامتهم؟ فإن كانوا كذلك فعلاً، فهنيئاً لهم الثواب الأخروي، لكنهم انتخبوا ليساهموا في هناء الشعب في هذه الدنيا الفانية. وعلى أي حال، كان الملالي يشدّون الرحال إلى مساجدهم سيراً على الأقدام قبل الثورة، والآن يمتلكون الطائرات.

والدكتوراه ليست مؤهلاً برلمانياً فارقاً، فالحاصل عليه في الفيزياء مثلاً، قد يكون بارعاً في علم الفيزياء، لكنه حجري العقل، زنبركي الفعل، اسفنجي المواقف، ضميره يعمل مثل المصفاة. والمفارقة أن هؤلاء أنفسهم يسخرون ليل نهار من البروفيسور أو العالم غير المسلم الذي لم يسعفه عقله وعلمه في التوصل إلى الدين الحق. وحسب هذا المنطق نفسه، الدكتوراه لا تغني، عن جهل صاحبها في أمور خارجة عن مجال تخصصه، شيئاً. وعموماً، نجاد حاصل على الدكتوراه، وبشّار دكتور، وموغابي زيمبابوي حاصل على ثمان شهادات جامعية.

أما "الميزة" الأخيرة فهي تعرّض بعض الأعضاء للاعتقال، ويبدو أن كل معتقل يخرج من خلف القضبان يصبح مانديلا. وأن تكون نفسية المعتقل السابق مدمرة ليست بالأمر المستبعد، ولا رغبته في الانتقام، وصعود المعتقل السابق إلى الحكم ليس ميزة ولا نقيصة، هو في أحسن الأحوال جائزة.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01