search
إصدارات
ارتباطات
البرتقالي حين يكتب عن التفاح
14/3/2012

لأن فكرة هذا المقال حسّاسة، سأضطر إلى إزالة حساسيتها برموز لا تعاني الحساسية ولا تبالي بما يُكتب، أعني الأشجار، فلو لم أفعل ذلك فإن المقال سيعطي عكس المقصود، وسأقع في الحفرة التي أرجو ألا يسقط فيها أحد.

تتلخص فكرة المقال في أن بعض الموضوعات حسّاسة بطبيعتها أو بخلفياتها التاريخية أو الاجتماعية أو العرقية.. إلخ، ومن المهم الاقتراب منها بقفازات الحذر وكمّامات المراعاة، أو المداراة، لكن الأهم هو أن يراعي صاحب الموضوع حساسية الآخرين تجاهه هو شخصياً باعتباره صاحب ذلك الموضوع الحسّاس، فبعض الموضوعات تصبح حسّاسة، وتتحول إلى ألم يضرب في العظام، لا لشيء فيها، وإنما بسبب الشخص الذي يتناولها.

فمثلاً، حين يتناول شخص محسوب على أنه من أتباع مذهب البرتقال مذهب التفاح بالنقد، النقد السلبي بطبيعة الحال، ينبغي له أن يضع في اعتباره أن من سيهاجمه من أتباع مذهب التفاح، لن يفعل ذلك بالضرورة لأنه متعصّب أعمى البصيرة وفاقد للصواب، فقد يكون ذلك لأن المؤلف أو الباحث هنا يتبع مذهب البرتقال، ويرى صاحب مذهب التفاح أن في مذهب البرتقال نفسه الكثير مما يستوجب نقده وتعديله وإزالته وتفسيره وفق رؤية جديدة.

يحدث ذلك، ولو لم يكن الناقد هنا مؤمناً بمذهب البرتقال، بل ولو سبق له أن كتب يعارض مذهبه ويفكّك خطابه العدائي مثلاً ويدعو إلى خطاب عقلاني وغير صادم، إلا إذا استطاع أن يبيّن أثناء نقده لمذهب التفاح مثالب مذهب البرتقال أيضاً.

وحين يتخصص شخص في توجيه النقد اللاذع والمستمر لعقل شجرة التين، وهو في أصوله البعيدة ينتمي لشجرة الزيتون، فعليه أن يتوقع الهجوم غير الموضوعي الذي سيشن عليه، لا لشيء إلا لأنه من جماعة الزيتون، ولو كان هو في حقيقة الأمر لا يفكر بهذه الطريقة، بل صار بحكم الأيام واحداً من جماعة التين، ولا ينتقد عقل شجرة التين إلا لأنه يشعر بأنه واحد منهم ويهمه أن يرتقي العقل التيني وينافس بقية العقول.

صحيح أننا نقول دائماً بأن المهم هو الفكرة نفسها وليس شخص قائلها، وأن البحث العلمي لا جنسية له، وأن الموضوعية تفرض على المتلقي أن يبقى في إطار موضوع المسألة ولا يتعداها إلى شخص من تناولها، لكنني في الحقيقة لا أعرف كم عدد الأشخاص الذين يفصلون بين الفكرة وقائلها، وبين البحث ومن اشتغل عليه؟

ولو أتينا بأي بحث علمي أعده مستشرق غربي عن الحضارة الإسلامية مثلاً، ينتقد فيه الباحث بعض تحيّزات هذه الحضارة، وبعض انحرافاتها، ثم استبدلنا غلاف البحث أو الكتاب بغلاف لكتاب في الحضارة الإسلامية كتبه مفكّر مسلم، فإن نسبة تصديق أو الثقة بما جاء في البحث ستزيد لدى القارئ المسلم، ونسبة الشك في الدوافع ستقل، وكل النسب الإيجابية ستزيد والسلبية ستنخفض، وهكذا في بقية الأمور.

وبالطبع هذه ليست دعوة للتضييق على حرية التعبير أو البحث العلمي، لكنها دعوة للمراعاة لا أكثر ولا أقل، ومن لا تعنيه هذه الدعوة في شيء فعليه ألا يبتئس حين يُشنّع عليه ويُتهم في شخصه ودوافعه، ولو ظلماً وبهتاناً، فهكذا تجري الأمور للأسف.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01