search
إصدارات
ارتباطات
الكنس أمام البيت أولاً
1/3/2012

"ليكنس السيد الوزير أمام بيته أولاً بدلاً من أن يتبجّح ويفتخر بحضارته العظيمة"، هذا ما قاله زعيم "حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية" فرانسوا بايرو لوزير داخلية بلاده الذي كان قد ألقى محاضرة في أحد المعاهد الباريسية انتقد فيها ضمناً الحضارة الإسلامية ممتدحاً الحضارة الغربية.

بايرو، كما جاء في مقالة للمفكّر هاشم صالح، ذكّر الوزير الفرنسي بأن الحضارة الغربية "حوّلت المال إلى معبود أو إله.. وهي ليست خالية من العيوب إلى الحد الذي يتصوّره السيد الوزير، وفي طليعتها الأنانية وخيانة المبادئ التنويرية الإنسانية".

فكرة الكنس أمام البيت فكرة رائعة تستحق أن تعمم على وجه الأرض، إذ لا بيت من غير قمامة، ولا حضارة من غير أخطاء، ولا ثقافة بلا عيوب، ولا دين من غير مسائل غامضة ومريبة، ولا عرق كان مظلوماً في كل الأحوال، والذي يُبقي وجه الحي جميلاً هو أن كل بيت فيه يرمي قمامته في البرميل الكبير المخصص لذلك، وكل بيت يكنس الأتربة المتجمّعة أمامه.

لكن لو رمى كل بيت قمامته في عرض الطريق، ولم يكنس تلك الأتربة، لأن بقية البيوت تفعل ذلك، أو لأنه مقتنع أن بيته بلا قمامة أصلاً، فإن غبار الأحقاد سيعلو، وروائح الكراهية ستنتشر، وفئران التعصّب ستخرج، وسيتحول الحي إلى خربة تنعق فيها الغربان.

وكرتنا الأرضية صورة مكبّرة عن الحي الواحد، ويمكن القول إن لهذا الحي أكثر من بيئة: حضارية، وثقافية، ودينية، ومذهبية، وعرقية، وغيرها من بيئات ينتمي إليها الإنسان أو هو محسوب عليها.

والحاصل غالباً، للأسف، أن كل بيت يراقب أبناء بقية البيوت وهم يرمون قاذوراتهم في الطريق، فيسبّهم ويلعنهم، بينما يغض الطرف عن أبناء البيت نفسه الذين يبعثرون قاذورات البيت بشكل متعمد في وسط الطريق. ولا أحد يكنس، بل الجميع يقف أمام منزله والغبار من حوله والمكنسة في يده، والكل ينتظر أن يبدأ الكل في الكنس معاً.

كم كتاباً ألّفه عالم دين سُني حاول فيه تنظيف البيئة المذهبية، ورمى في البرميل الحساسيات التاريخية تجاه الشيعة مثلاً؟ وفي المقابل، كم كتاباً ألّفه عالم دين شيعي كنس فيه الكلام الذي لا يليق برموز السُنة وقال لأتباعه إن أخطاءنا هي واحد واثنان وثلاثة؟ أما إذا قلبنا السؤالين، فإننا للأسف سنجد ملايين الكتب والمطويات والمحاضرات والمقالات.  

وكم عربياً شغل باله في تسليط الضوء على أخطاء العرب تجاه بقية الأعراق؟ وكم فارسياً شمّر عن سواعد التنظيف وكنس ما قاله قومه من كلام عنصري وحاقد ضد العرب؟ وكم هندوسياً أضرب عن الطعام لوقف الممارسات الظالمة ضد المسلمين؟ وكم مسلماً كتب معترفاً بأن هناك نفوراً حضارياً وثقافياً نشعر به تجاه الكثير من أمم الأرض لأسباب واهية؟ وكم يهودياً قرص قومه من آذانهم ولقّنهم درساً في احترام كرامة الفلسطينيين؟ وكم فلسطينياً.. إلخ.

أتخيّل شكل هذا العالم لو تفرّغ مفكّرو الغرب ومثقفوهم وكتّابهم إلى معالجة أمراض حضارتهم، وتركوا البحث عن عيوب الحضارة الإسلامية لأبنائها، والعكس بالعكس، أتخيّل لو أن ملايين الأوراق التي سوّدت في نقد الحضارة الغربية بأقلام العرب والمسلمين، لو كانت تفرّغت لترتيب بيتنا الداخلي، وشرعت في إجراء مراجعة فكرية وثقافية وتاريخية، ووضعت الأشياء في مكانها، وسمّت الأشياء بمسمياتها، ورمت القاذورات في البرميل، بدلاً من إعادة تدويرها والاحتفاظ بها داخل البيت أو إلقائها في وسط الحي.

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01