search
إصدارات
ارتباطات
الهبوط "الإخواني" على الخليج
29/3/2012

التنظيمات لا تهبط بالمظلات، فهناك عوامل على الأرض تؤدي لظهور تنظيم ما كـجماعة "الإخوان" الذين لم يهبطوا على أرض مصر، وإنما كانت هناك عوامل لظهورهم، لكن الجماعة استفادت من بعض الظروف، وبعد سنوات طويلة من التأسيس، لتهبط على الخليج، بالمظلات هذه المرة.

حسب التاريخ المعلن للجماعة، فإن فكرة التأسيس دخلت رأس حسن البنا بعد أن لجأ إليه بعض العمال يطالبونه بتنظيم جماعة ترفع من قدرهم أمام الاستعمار الذي كان يعاملهم كأجراء. وكانت صدور المصريين متأججة ضد الإنجليز الذين يحتلون بلدهم منذ عام 1882، وملكهم لا حيلة له أمام القبعة الإنجليزية المليئة دهاءً، وأوضاعهم الاقتصادية في تدهور، وفوق هذا، كان الصهاينة يطبخون احتلال فلسطين على نار هادئة بحطب الاستعمار.

فهل هذه البواعث كانت موجودة عند الهبوط "الإخواني" على الخليج؟ ألم يكن الاستعمار يحزم حقائبه؟ هل كان أبناء الخليج أجراء عند الأجانب؟ ألم يكن الوضع الاقتصادي يتحسّن بشكل صاروخي؟ ألم تكن فلسطين حينها قضية لها ألف محامٍ عربي يتلاعبون بها؟ 

وكانت فترة التأسيس في مصر قريبة العهد بالخلافة العثمانية التي ألغاها أتاتورك عام 1924 وطرد "خليفة المسلمين" من تركيا، والدموع لا تزال ساخنة على زوال تلك الدولة التي كبست على الصدور أربعة قرون. بينما التأسيس في الخليج حصل في زمن كانت فيه الخلافة بلا بواكي، ومقتنيات الخلفاء تزيّن متاحف تركيا التي أعلنتها جمهورية قومية علمانية، والأقطار العربية تتسابق لإقامة دولها بعد أن غسل الجميع أيديهم من الأوهام، خصوصاً بعد فشل، ولله الحمد، أكثر من مؤتمر عُقد لتنصيب خليفة جديد للمسلمين.

وكان ذوو الطرابيش يفكرون في تشييد سفينة تعبر بهم إلى برّ الأمان، فبحر الأفكار كان مضطرباً بتيارات عديدة، من قوميين يطالبون بتكوين شخصية لمصر بعيداً عن شخصيتها الإسلامية، واشتراكيين، وذوي قبعات أو "تغريبيين" عادوا مع شهاداتهم من أوروبا، وأخذوا يطالبون بصعود مصر إلى قطار الحداثة الذي انطلق قريباً منها في أوروبا. فهل كان الخليج مسرحاً لتلك الأفكار آنذاك؟ وهل كان هناك تيار "تغريبي"؟ وهل كانت الأفكار القومية والاشتراكية الشغل الشاغل لمجتمعاتنا أم كانت تتداول بين أفراد محدودين ممن حصلوا على قسط معقول من التعليم؟   

وفي مصر هناك تباين ديني، وأغلبية في مقابل أقلية كبيرة، وخشي "الإخوان" تحوّل مصر إلى سودان أخرى، بزعم أن الإنجليز هم الذين قسّموا السودان إلى شمال إسلامي، وجنوب مسيحي معادي للشمال. بينما الخليجيون مسلمون بنسبة مائة في المئة تقريباً.

وفوق هذا، كان هؤلاء يسعون إلى تغيير ما "أفسده" الاستعمار في أوضاعهم الاجتماعية والقانونية، والتصدي للإرساليات التي كانت تبشّر وتفتح المدارس. بينما لو افترضنا جدلاً أنه كان هناك استعمار في الخليج، فقد كان "في حاله"، غير معني إلا بضمان حركة قواته وتجارته، فلم يفتتح مدارس "تخرّب"، ولم يضع قانوناً يحرّم حلالاً أو يحلّل حراماً، كما أن أكبر دولة خليجية لم تتواجد بها أية قوات أجنبية أصلاً.

يضاف إلى هذا كله، أن الواقع المصري آنذاك كان يثير حفيظة رجال الدين، فدعوات تحرير عقل المرأة التي أطلقها قاسم أمين وصلت إلى ملابسها، فبدأت المرأة تتحرر من النقاب ثم الحجاب. بينما الخليج كان يستقبل الفارّين بحجاب نسائهم بعد حظر ارتدائه في البر الآخر، ولم تكن هناك مظاهر فساد معترف بها لتعطي الشرعية لظهور جماعات تناوئها.

بعض "إخوان" الخليج صاروا فجأة جماعة "إصلاح"، والإصلاح مطلب الجميع لكن ليس بمنهج هبط بالمظلات، إذ منهج "الإخوان" جاء في ظروف أو سياق مختلف تمام الاختلاف عن السياق الخليجي آنذاك، ولا يمكن فصل سياق ظهور جماعة بالمنهج الذي اعتمدته في العمل، وإلا كان واضع المنهج مجنوناً لا يعقل هذا بذاك.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01