search
إصدارات
ارتباطات
عليك بالجزيرة يا مارادونا
19/5/2012

 

آخر مباراة تابعتها بالكامل كانت قبل عشر سنوات، وفي الحقيقة لم أعد أبالي إن لعبوا كرة قدم في بطولة كأس العالم أم اكتفوا بالرقصات الاستعراضية في يوم الافتتاح ثم منحوا الكأس لأي منتخب بالقرعة. وأعترف بأنني لم أعد أتذكر قوانين الكرة، ولا أعرف آخر مستجدات الفيفا، ومع هذا، فإنني أتوقف عند أي خبر أو موضوع أو لقطة تلفزيونية يكون فيها مارادونا.

هذا الاهتمام الدائم بمارادونا يجعل كلامي المجنون عنه نابعاً عن حب وتقدير له، فقد حضر مارادونا قبل سنة إلى دبي لتدريب نادي الوصل، ولسوء حظه أن ناديه لم يكن موفقاً في هذا الموسم، ولم يحرز الدوري ولا الكأس ولا أي بطولة تتعلق بكرة القدم.

وأعتقد أنه كان يقف أمام المرآة بعد نهاية كل جولة يبتعد فيها الوصل عن المقدمة، ويتساءل: أنا دييغو أرماندو مارادونا، أفضل لاعب في العالم، الذي لم يكن هناك لاعب أفضل منه من قبل ولا من بعد، وحتى هذه اللحظة لم يجرؤ أحد على القول إن ميسي أو أي بطيخ آخر هو أفضل من مارادونا. هل أعي هذه الحقيقة أم أنني لم أعد مارادونا وإنما مجرد "دبدوب" أرجنتيني يدرّب الفرق الكسيحة؟

أنا مارادونا الذي انتشل فريقاً "كجرة" يدعى نابولي وأحرزتُ معه، أو له بلا تواضع، الدوري الإيطالي، والكأس، والسوبر، وكأس الاتحاد الأوروبي، وعاد الفريق إلى مستواه الحقيقي ضمن فرق "الأي شيء" بعد رحيلي عنه.

 

 

أنا مارادونا الذي ذهبت جماهير نادي نابولي بعد إحراز تلك الانتصارات العالمية إلى مقابر المدينة، وراحوا يسألون الموتى بشكل جنوني: لماذا متم قبل أن تروا مارادونا ماذا يفعل لنادي مدينتكم؟

أنا مارادونا اللاعب الوحيد في العالم الذي يشهد التاريخ أنه هو وحده الذي أحرز للأرجنتين بطولة كأس العالم في المكسيك سنة 1986، حتى لم يعد أحد يتذكر أن هناك عشرة لاعبين آخرين كانوا يجرون في الاتجاه الذي أجري فيه.

أنا مارادونا الذي لم يعد للإعجاب بي أي معنى، فأنا الأمر الواقع في الكرة، واللاعب الضرورة، وحين يأتي مدرب عادي ويقول: بصراحة كنت من المعجبين بلعب مارادونا، فإن كلامه يكون مضحكاً ومحزناً، فالمضحك هو أن يصرح آدمي بأنه كان معجباً بلعبي، وهو مثل أن يقول شخص أنا أؤيد استنشاق الأوكسجين، أو أنا من المعجبين بالكرة الأرضية. والمحزن أن مدرب لا قيمة له يسخر مني الآن، ويقول إنه كان معجباً بي كلاعب، ويحق له ذلك، فالفريق الذي يدربه هذا المدرب يلحق الهزائم في كل مرة بالفريق الذي أدربه أنا، مارادونا.   

ويواصل مارادونا مراجعة نفسه أمام المرآة: ماذا أفعل في نادي الوصل بالله عليّ؟ ماذا أفعل في نادي يعرف الجميع بأنه ليس النادي الأفضل حالياً في الإمارات؟

 

 

وربما مارادونا لا يفكّر بهذه الطريقة، وربما استطاع أن يفصل بين مارادونا اللاعب ومارادونا المدرّب، لكن إن لم يكن يفكّر أمام المرآة كما أتخيّل فهو إنسان غير طبيعي، ولا يعرف من هو بالضبط.

والمشكلة ليست وصلاوية، فلو درّب مارادونا نادي الوحدة مثلاً، فإنه سيفكّر من جديد، أو يجب أن يفكّر: وهل يستطيع الوحدة التغلّب على برشلونة مثلاً، ليس في مباراة واحدة قد تكون بالصدفة، وإنما في عشر مباريات متتالية؟

ولو اتجه مارادونا فوراً إلى برشلونة لتدريب هذا الفريق الأفضل في العالم، فهل يضمن أن يبقى منتصراً إلى ما لا نهاية، ليكون نسخة منه باعتباره المنتصر إلى ما لا نهاية؟ ألن يقف كالعادة أمام المرآة: ما الذي أفعله هنا؟ لماذا أدرب فريق بدأ يخسر؟ وإن حافظ على مستواه ولم يخسر أبداً، فيسأل: ما فائدة تدريب فريق كان هو الأفضل من دوني؟ وإن اتجهتُ لتدريب الفريق الثاني في المجد، ريال مدريد، فهل يليق بي كمارادونا أن أدرّب فريقاً هناك فريق أفضل منه بينما ليس هناك لاعب أفضل مني؟

ولنفترض أن برشلونة أقسم على مارادونا أن يدرّبه، ألن يشعر جميع اللاعبين بأنهم "لا شيء" أمام عظمة مدربهم حين كان لاعباً؟ هل سيجد أفضل لاعب في العالم حالياً، المدعو ميسي، الرغبة في اللعب تحت إشراف مدرب هو يعرف يقيناً بأنه مهما قفز وتنطط فإنه سيبقى اللاعب الثاني في تاريخ الكرة؟

 

 

وهل يمكن أن يخطر ببالي ميسي أن مدربه مارادونا يشعر بالرضا عن أدائه؟ إن خطر بباله فإن ميسي فعلاً يستحق الضرب، وإن لم يخطر بباله فإنه سيبقى يشعر بعدم الرغبة في اللعب مع مارادونا. وما دام ميسي يشعر بهذه المشاعر تجاه مارادونا، فإن اللاعبين العاديين سيشعرون بالخجل من لمس الكرة أمام مارادونا.

وكل اللاعبين ينتقمون من المدربين، على الأقل بينهم وبين أنفسهم، وهذا ما يساعدهم على المضي في اللعب وعدم إعلان اعتزالهم الكرة، إذ كلما صرخ المدرب في وجهه، فإن اللاعب يقول في نفسه وهو ينظر في عيني المدرب: الكلام بـ"بلاش" يا أبا كرش، تستطيع وأنت تجلس مع الاحتياط أن تثرثر في الكرة، لكن أين كانت شطارتك حين كنت لاعباً؟ هل تعتقد أننا لا نعرف أنك لم تكن اللاعب الأفضل؟ كنا نراك ونحن صغار وأنت "تشوت آوت".

لكن الذي يلعب تحت إشراف مارادونا لا يجرؤ على مخاطبته حتى بينه وبين نفسه، ماذا سيقول: وما أدراك أنت باللعب يا مارادونا مثلاً؟ هل جرّبت الجري 90 دقيقة في الملعب؟ هل أحرزت هدفاً مثل الناس في حياتك؟

مارادونا يا عزيزي، أنت تعرف دبي أكثر مني، وهناك جزر جميلة في مشروع جزر العالم، خذ واحدة منها وعش عليها مع من تحب وارسل لوسائل الإعلام العالمية كل يوم خبر واحد لا تتغير صيغته: أقول لأحبائي إنني بخير.

وتذكّر أن التاريخ سيسجل الآتي: كان مارادونا أفضل لاعب في العالم، وأصبح من أسوأ المدربين، فلم يدرب فريقاً أحرز بطولة في كرة القدم، علماً بأنه في الفترة نفسها التي كان يدرب فيها منتخب الكرة الأرجنتيني، أحرز منتخب السلة الأرجنتيني بطولة كأس العالم للسلة. وحين كان يدرب نادي الوصل، أحرز نادي الوصل في جميع المراحل السنية على بطولة الدوري لتلك المرحلة، إلا بطولة الكبار، لم يحرز النادي بقيادة مارادونا على أي شيء. مجرد مثال وقد يتحقق، فتكون الفضيحة أكبر.

 

 

وتخيل حفيدك العزيز بنجامين كلما أراد أن يفاخر بجده، سخر منه أصدقائه قائلين: تقصد جدك الذي لم يحرز كمدرب أي بطولة؟ وكل بطولة أحرزها جدك كلاعب، تقابلها هزيمة ساحقة له كمدرب، وبالنتيجة النهائية فإنه لم يفعل شيئاً عظيماً يستحق التفاخر به.. جدك، لا له ولا عليه.

ويمكنك عزيزي مارادونا من فوق جزيرتك أن تواصل علاقتك بالكرة من خلال دعم هذه الرياضة بافتتاح مدارس كروية، وحضور البطولات المهمة، والتبرّع بإنشاء ملاعب في الدول الفقيرة، وتوزيع ملابس رياضية على أبناء الأحياء البائسة، أي أن تتحول إلى فاعل خير كروي، أو حتى تكتفي كما اقترح أحد الأصدقاء بأن تبقى مارادونا الأسطورة، وتبقى الملهم للاعبين والمدربين على مرّ الزمان، والجد العظيم في نظر بنجامين.    


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01