search
إصدارات
ارتباطات
ماذا يجري خلف الشاشة الإيرانية؟
24/5/2012

مهما تأثرنا بأحداث فيلم، فإننا في النهاية سنطفئ التلفزيون، والمخبول فقط هو الذي سيذهب إلى هوليوود بحثاً عن اليتيم الذي ظهر على الشاشة وكان ينام تحت أحد الجسور، ليتبرّع له ببطانية.

أشخاص مؤثرون في الرأي العام الخليجي، لا يدركون أنه وراء أي حركة للنظام الإيراني على رقعة السياسة، هناك نحو 70 مليون آدمي يدفعون الثمن من حياتهم، ومستقبل أولادهم، واعتبارهم كبشر، ناهيكم عن نظرتهم لأنفسهم كشعب له حضارة.  

مثقفون ومحللون سياسيون يبدون إعجابهم بالقدرات السياسية للنظام الإيراني من باب تحريض دولهم لتحذوا حذوه، فـ"السياسة مجال القوة والدهاء والحكمة والقدرة والعمل، ولا شيء غير ذلك"، كما كتب أحدهم في "تويتر"، فبينما إيران تلعب السياسة "صح"، فإن دولهم تتخبط وتنتظر الفعل الإيراني لتردّ رداً هزيلاً!

والحديث هنا ليس حديث مقارنات، وإن كانت المقارنات كلها لصالح الدول الخليجية، وإنما عن مفهوم القدرات السياسية لإيران، فهذه مشكلة عويصة، مثل الفيلم الذي قد لا يعرف أحدهم أنه مجرد انعكاس لخيال الكاتب ورؤية المخرج. وفي حالتنا، فإن قدرات النظام الإيراني، انعكاس لمأساة شعبه، ولا شيء غير ذلك.

أبصار هؤلاء شاخصة في الشاشة ويرون أن الزمن المتبقي لتصبح إيران نووية هو زمن رصّ "برغي" واحد. ويرونها تكسب جولاتها مع المجتمع الدولي، ويرون العراق تحت عباءة الولي الفقيه، وسوريا دمية بين يديه، ولبنان تميمة في رقبته، وسبابته تشير الآن إلى خريطة اليمن، حتى الرئيس الأفغاني يضع يده تحت خده في كابول بانتظار وصول حقائب الولي الفقيه.

ما أسهل أن يكون المرء شريراً، هذه بديهية لا يستوعبها هؤلاء، ولا يعرفون أنه يمكن لأي نظام أن يدعي أن زعيمه يمثّل الله، وأن رئيسه رأى هالة نورانية فوق رأسه، وأن يضع لنفسه دستوراً عجائيباً منبت الصلة بالسياسة، ثم يرغم أنف شعبه ليعتقد بتلك الخرافات، ويتعامل مع العالم على أساس هذا الوهم. ثم يتحكّم فيما يسمعه شعبه ويقرأه، ويمنع عنهم حتى اللاقطات الفضائية، ويقرر ماذا يلبسون وأي لون، ثم يتركهم يتلوون من الجوع على أرض تعوم على بحر من النفط، الذي يذهب جزء كبير من عائداته لترسانته العسكرية التي يخوّف بها العالم، ولنشر الفتن والتخريب وبناء التحالفات المدفوعة الثمن، ليضمن أن يُرى بأنه يلعب سياسة.

لا يمكن أن يُعجب عاقل بالقدرات السياسية لنظام قائم على الكرامات، والدستور الغرائبي، والانتخابات المزوّرة، والمزيفة أصلاً، وفوق هذا، يمنّ على شعبه بأنه نظام جمهوري، وإسلامي أيضاً، وفوق هذا، هناك سُذّج يصدقون ذلك، بل يعجبون به.   

لا يمكن أن يُعجب عاقل بنظام يحقق أعلى النسب قياساً إلى تعداد شعبه في: الإعدامات، وهجرة العقول، وإغلاق الصحف، ناهيكم عن انتشار الفساد والفقر والبطالة والبغاء على نطاق واسع، ولعلّ أهم النسب هي أعلى نسبة مدمنين، والحصول بجدارة على كأس العالم لانتشار المخدرات، حتى أصبح الإيراني مشتبهاً به في معظم مطارات العالم، إلى أن يثبت العكس. فهل الثمن الذي يدفعه الشعب الإيراني يساوي القدرات السياسية لنظامه البليد؟

ولا يمكن أن يخلط إنسان لم يفقد قيمه الأخلاقية بين السياسة التي مجالها فعلاً القوة والدهاء والحكمة والقدرة والعمل، وبين سياسة شراء الوقت لتأخير الانهيار من خلال الغطرسة والتبجّح والخداع والقدرة على ممارسة العناد.  

وفاقد الإدراك هو وحده الذي يرى مخالب تسير في الفراغ ولا يرى القط المتوحش الذي تنتهي أطرافه بتلك المخالب. وهو وحده الذي لا يخطر بباله أبسط سؤال: هل ما أراه على الشاشة، هو هكذا كما أراه، أم أن هناك 70 مليون إنسان يدفعون ثمن هذا السيناريو؟


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01