search
إصدارات
ارتباطات
كاتب لا يكتب أي شيء
2/6/2012

 

أخرج دفتراً صغيراً ووضع القلم بين أصابعه، فسحبت نفساً عميقاً من ذلك الشيء الذي يدغدغ الصحة:

ـ ما سأقوله لا يمكن كتابته كرؤوس أقلام، فنظر إليّ نظرة تقول:

ـ أعطني النصائح و"خلّصني".

ـ هل أنت كتاب مفتوح أمام أهلك أم ثمرة بطيخ؟ هل يمكن أن يخطر ببالهم أنك قد تسيء إليهم؟ ماذا ستفعل لو خُيّرت بين قلمك وأهلك؟

فوجئ بأسئلتي الغريبة، وتساءل بملل:

ـ ما علاقة أهلي برغبتي في الكتابة؟

ـ الكتابة لن تتركهم في حالهم، وهم لن يستطيعوا أن ينتزعوا أنفسهم منها. هم سيوجدون فيها بالأمر الواقع.

بلع صديقي ريقه وترك القلم من يده، وقلت:  

ـ إن كنت ملحناً فإن السُّلم الموسيقى لن يوصل المستمعين إلى نوافذ بيوت أقاربك، ربما تسمع نصائح بترك الموسيقى، وربما يعتبرك بعضهم شخصاً مائعاً، لا أكثر ولا أقل. وإن كنت رساماً فإنك لن ترسمهم بريشتك، وإن كنت شاعراً فلست مضطراً لإنزالهم في بحورك، وإن كنت لاعب كرة أو متسلق جبال، فإنهم قد يفخروا بك أو لا يبالوا بما تفعله.

ـ والمعنى؟

ـ المعنى يا صديقي أن الكتابة مثل المشي في حقل ألغام، فأنت تفتح الجريدة وتجد مقالاً بتوقيع أحد بناة أهرامات الصحافة العربية، محمد حسنين هيكل، لكنك لا تتفق معه في شيء مما يقوله، فتطوي الصفحة وتأكل فوقها الأرز المندي. وبعد أيام تكون في اجتماع عائلي، وإذ بأحدهم يطرح الرأي نفسه، وربما هو لا يعرف شخصاً اسمه هيكل، لكنهما توافقا على الرأي في تلك القضية، فتخرج منطلقاً لكتابة مقال يفنّد مقال هيكل، وتقتبس من كلامه ثم تنسفه بالحجج. وبعد أسبوع، تدخل المكان فتجد وجه قريبك متورّماً، فتتعجب، فأنت سددت اللكمات لمنطق هيكل، فكيف تورّم وجه قريبك؟

ـ فعلاً، كيف؟

ـ أما إذا كان المقال رداً على فكرة طرحها قريبك فرأيت أنه من المهم مناقشتها باعتبارها فكرة خاطئة متداولة على نطاق واسع، فإن وجهك هذه المرة هو الذي سيتورّم، وقد يقف صاحبك وسط الحضور ليقول: قريبنا العزيز لم يستطع مواجهتي فاندسّ بين طيات جريدة وأخذ يسفّه رأيي معتقدا بأنني لا أقرأ الصحف. فإن قلت له إن الفكرة ليست فكرته؛ فكأنك تسكب المزيد من البنزين على غضبه، وإن قلت إنك ككاتب مسؤول أمام قلمك بأن تستعمله في إنارة الطريق أمام الآخرين، فقد تسمع كلاماً عن حاجتك إلى من ينير طريقك أولاً، وإن قلت إنك حر في إبداء رأيك، فستجد نفسك وسط متاهات الجدل.

ـ يا الله!

ـ ومع هذا، فأنت محظوظ إن لم تكن كاتباً ساخراً وأقربائك محرومون من حس الدعابة.

ـ ما الذي يحدث في هذه الحالة؟ سأل وهو يعيد الدفتر الصغير إلى جيبه، فقلت بعد نفس عميق آخر:

ـ الذي يحدث يا صديقي أن الكاتب الساخر يكتب عن موقف طريف تعرض له، وهو لا يتعرض في الغالب إلا لمواقف فيها أشخاص من حوله، فلو حصل أن وجد نفسه في المطار مرتدياً فردة حذاء سوداء، وأخرى بيضاء، فإن نسيبه قد يكون طرفاً في الموقف. وإذا كتب عن حية تسللت إلى الخيمة أثناء التخييم في الصحراء، فإن الشخص الذي تقافز في مكانه مثل القرود، قد يكون قريباً عزيزاً، فهو بالبداهة لا يخرج في رحلات تخييم مع الصهاينة.. فكيف يمكن تصوير موقف كهذا؟

ـ من دون ذكر أطراف القضية.

ـ حتى لو فعل، ولو من دون اسم، وبعد تمويه الشخصيات، كأن يكون الشخص الذي تمزقت كندورته ابن خاله، فوصفه بأنه صديق، أو كتب أنه سمع هذه الحكاية من شخص ثالث، أو حتى قال بأنه حدث في البرازيل أن شخصاً تمزّق بنطاله، فسيقفز ابن خاله في وجهه ليقول له: وهل أنا أحمق لهذه الدرجة لتعتقد بأنك تستطيع خداعي بتمويه الشخصية؟ يا أخي، العيب بلى، ومن عاب ابتلى. ومهما حاول إقناعه بأن الأمور لا تجري هكذا في الكتابة، فهو ككاتب يحق له أن يصوّر الشخصيات كما يشاء ما دام لم يذكرهم بالاسم لقرّاءه الأعزاء، فإنه سيقول له بنبرة عتاب وهو يمضي في طريق الهجران: هل قرائك أعز مني؟ هل من البر بالأهل أن تستعملني في كتاباتك؟ وهل تريد أن تصعد على أكتافي؟

فإذا لحقه ومسح وجهه بدموع عينيه وقال له: يا أخي أنا كاتب ساخر، وأنت قرأت لي مئات المقالات التي سخرت فيها حتى من نفسي، فإنه سيقول: لا أحد سيقف في طريقك إذا وضعت منشاراً كهربائياً على رجلك، لكنك لست حراً في السخرية من الآخرين، كما أنك تختار الأشياء التي تسخر فيها من نفسك، وهي أشياء لا تشينك، لكنك لا تمارس هذه الانتقائية الماكرة معنا.

ـ مصيبة!

ـ أما مصيبة المصائب يا صديقي فهي في العمل الروائي، فالروائي يخلق شخصياته من حياته التي هي جزء من حياة أهله وأصدقائه، ولنتخيل أن الروائي ولّف موقفاً من عدد من المواقف ليبين أن الشخصية ساذجة، ومن الطبيعي أن خياله في تلك اللحظة سيستدعي صور الساذجين الذين تقاطعت حياته بحياتهم، ويتصادف أن فقرة من التوليفة النهائية كان بطلها شخص حقيقي يعرفه، كأن يكون زوجاً لابنة خال والد زوجته، فتكون النتيجة أن زوجة "الضحية" ستكون خصمه المباشر، وعمه خصم آخر لأنه جرح مشاعر ابنة خاله، وزوجته كذلك، لأن الروائي المسكين تعرّض لشخص من عائلتها الكريمة.

وإذا كانت إحدى الشخصيات بدينة فإن كل بدناء عائلته سيعلنون حالة الطوارئ أثناء القراءة، وإذا كانت الشخصية تتأتئ، فإن المتأتئين في العائلة سيبلعون مرّ الإهانة وهم يقرأون.

في مقابل كل ألف قارئ جديد يتعرفون عليك ككاتب، قد تفقد حب أو احترام واحداً من المقربين إليك، أو تخسره حتى بشكل فيزيائي. وكل من سيخرج من صلبك إلى نهاية العالم، سيظل ابن وحفيد ذلك الشخص الوقح الذي تعرّض لجد من أجدادهم في كتابه، والكتب تعيش مئات السنين للأسف الشديد.

أسند صديقي ظهره إلى الوراء، فخشيت أنني كسرت مجاديف سفينة أحلامه، فاستدركت قائلاً:

ـ تستطيع أن تصبح كاتباً، وفي الوقت نفسه تحافظ على أواصر المحبة مع المحيطين بك، بالكتابة التي لا طعم لها ولا رائحة، أو بكتابة روايات فيها شخصيات عظيمة لا ترتكب أبسط الهفوات، أو يمكن الذهاب إلى الخيال العلمي، أو يمكن أن تصبح كاتباً لكن بشرط ألا تكتب أي شيء، تصدر روايات بلا أغلفة، مجرد أوراق بيضاء توزّعها على المكتبات.

ـ يعني تجارة قرطاسية و"قومسيون"؟

ـ لا أعرف.. والآن، ادفع الحساب ودوّن كل ما قلته لك على حواف شاشة الكمبيوتر، ثم اكتب كما تشاء.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01