search
إصدارات
ارتباطات
مؤسسة الجدال الدولية
19/6/2012

 

إن سدّد شخص طعنة بسكين إلى آخر بنيّة إزهاق روحه وكانت النتيجة موته، فهذا قتل عمد. فإن لم يمت المجني عليه لسرعة تداركه بالعلاج أو لأي سبب آخر لا دخل لإرادة الفاعل فيه، فهذا شروع في القتل. فإن لم تكن نيّته القتل وإنما الاعتداء فأدت الطعنة إلى إزهاق الروح، فهذا ضرب أفضى إلى موت. فإن لم تؤد الطعنة التي لم يكن يقصد منها سوى الاعتداء إلى موت المجني عليه، فهو اعتداء على سلامة جسم الغير. فإن بادله الاعتداء، يعني ضربة بضربة، فهو اعتداء متبادل. فإن اكتفى بالسيطرة على الجاني وشلّ حركته قبل أن يرتكب جريمته، فهو دفاع عن النفس.

فإذا أسقطنا هذه الأوصاف أو التكييف القانوني على الجدال، فهناك جدال متعمد، وشروع في جدال، وحوار أفضى إلى جدال، وجدال من جانب واحد، وجدال متبادل، ودفاع عن الرأي.

فهيا بنا يا من عُرفنا بأننا أكثر شيء جدلاً، نتجادل في هذا الموضوع، وهو جدال لا بد منه لتعريف الجدال، إذ ليست هناك مؤسسة للجدال على مستوى العالم تعطي شهادات بأنه "تشهد مؤسسة الجدال الدولية بأن فلاناً إنسان مجادل"، لأن الجدال مثل الحماقة، لا أحد من بني آدم يعترف بكونه مجادلاً، لكن أبناء آدم يتهمون غيرهم بهذه الصفة.

سأفترض جدلاً بأنني الشخص الذي اختارته البشرية ليُفلسف مسألة الجدال ويصنّف حالاته على هدى من القانون الجزائي.

ويمكن القول إن الجدال المتعمد هو أن تقول لشخص إن الجو ربيع، فيقول لك وهو يقلب صفحات الروزنامة:  

ـ الأوراق لا تكذب، وهي تشير إلى أننا تجاوزنا تاريخ 20 يونيو.

ـ أقصد بأن الجو لا يزال ربيعياً برغم أننا مناخياً في فصل الصيف.

ـ هذا أمر لا يخضع للرأي، ولا يمكن لشخص أن يقول إنه يرى بأن الجاذبية الأرضية تجعل الأجسام تصعد إلى الأعلى ولا تنجذب إلى الأرض.

فتنظر إليه نظرة باسمة وتنهي الحديث بالقول:

ـ فعلاً، إحساسي كان خاطئاً، نحن في الصيف.

لكنه يواصل:

ـ ومع إقرارك على نفسك، فإننا لا نستطيع مثلاً أن ننزل إلى البحر الآن بسبب البرودة النسبية للجو، فهو جو ربيعي كما تفضلت أخي الكريم لكننا عملياً في فصل الصيف.

فإن التهيت بأي شيء آخر أو غادرت المكان أو التزمت الصمت، فهذا "جدال متعمد" من جانبه ولا شيء عليك، فإن واصلت الحديث:

ـ وما دمت تقول بنفسك بأنه جو ربيعي، فلأي شيء قلت لي منذ البداية بأننا في فصل الصيف؟ مجرد جدال يعني؟

ـ كلا، أنا ما زلت مصرّاً على رأيي، أو بالأحرى رأي الروزنامة، جو ربيعي في فصل الصيف، لكنك تحب أن تجادل.

ـ كلا، أنت من يحب أن يجادل لأنك أحمق.

ـ بل أنت الأحمق لأنك تحب أن تجادل. 

ونكون هنا قد انتقلنا من حالة جدال متعمد، إلى "جدال متبادل".

فإن تلقيت اتصالاً قبل أن تصل مع ذلك الأحمق إلى تلك النهاية، وبعد أن أنهيت المكالمة بلعت لسانك برغم أن هناك كلاماً تود قوله، فتوقف الجدال لسبب لا دخل لإرادة المجادل فيه، فهذا "شروع في الجدال" من جانبه، وأنت شخص محترم. فإن لم ترد عليه أبداً، قلت "الجو ربيع" ولم تقل أي شيء بعد ذلك لكنه واصل كلامه إلى النهاية، فهنا نكون أمام حالة "جدال من جانب واحد"، وأنت إنسان عظيم.

فإن قال لك شخص:  

ـ الربيع العربي أعاد للشعوب العربية كرامتها بعد أن تمرغت عقوداً في التراب.

فقلت له:

ـ صحيح، لكن من جنى ثمار الربيع؟

ـ الشعوب العربية بالطبع.

ـ قصدك الجماعات الدينية؟

ـ تظل هذه الجماعات جزءاً من النسيج الوطني للمجتمعات العربية.

ـ لكنها تستغل الدين في السياسة، وهنا مكمن الخطورة.

وإلى هنا نحن أمام حوار عادي، والآن سيفضي إلى جدال:

ـ لا تستغل وليست هناك أية خطورة.

ـ كلا تستغل، وهناك خطورة.

ـ أثبت لي بالأدلة أنها تستغل، وأريدك أن تشرح لي تلك الخطورة.

ـ لست معنياً بإثبات شيء لك، ولن أشرح، هي جماعات تستغل وخطرة والسلام.

ـ لا تستغل وليست خطرة.

ـ تستغل وخطرة.

ـ كف عن الجدال.

ـ كف أنت عن الجدال.

ـ تباً لك.

ـ ولك.

فإذا عدنا بضع فقرات إلى الوراء، وتحديداً قبل أن يفضي الحوار إلى جدال، فأوردت بعض الأمثلة والشواهد التاريخية على صواب رأيك، فأخذ الطرف الآخر يردد عبارة: "لا تستغل وليست خطرة"، كلما أعطيت الأمثلة وذكّرت بالحالات، فإنك نكون مدافعاً عن رأيك، بينما الآخر مجرد مجادل.

أرجو ألا يجادلني أحد في هذا المقال، أرجوكم.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01