search
إصدارات
ارتباطات
أنت تبكي في السجن وهو يكركر في المقهى
26/5/2012

 

أوقفت سيارتي أمام مبنى المنفذ الحدودي وسلّمت موظف الجوازات وثائق السفر، وبعد نقرات على لوحة مفاتيح الكمبيوتر قال لي: صف سيارتك وتفضلا بالدخول، فرفيقك مطلوب للشرطة.

لا بد أن هناك لبساً في الموضوع، هكذا قال رفيقي ونحن ندخل المبنى بقصد السلام على حماة الحدود. ولم نكتشف أن الأمر جدي إلا حين قال لي الضابط: تستطيع الذهاب وسيبقى رفيقك معنا لننقله غداً إلى إدارة الشرطة التي أصدرت تعميماً ضده.

في اليوم التالي، تبين أنه مطلوب في قضايا كثيرة: سرقة، ودهس، والهروب من رجال الشرطة، وقضايا شهوانية على جميع المستويات، وتعاطي المخدرات.

ولأن جميع البيانات صحيحة ومتطابقة تماماً، الاسم الرباعي، واسم العائلة، وتاريخ ومحل الميلاد، واسم الأم، فقد أخذت أراجع شريط حياة رفيقي، واستبعدت جميع تلك الجرائم إلا تعاطي المخدرات، فهو أولاً مدخّن سجائر، وشعره طويل، ويفقد تركيزه في الشوارع، ويعزف على العُود، ولديه أفكار عجيبة، ودائماً يقول إن الأحكام التي تصدر بحق المتعاطين قاسية. وشعرت بالرعب حين فكّرت بأنه ربما دسّ شيئاً من الحشيش في سيارتي، فهذه آخر جريمة أتخيّل أن توجّه إليّ في يوم من الأيام: حيازة مواد مخدرة، وعقوبتها النزول في الفندق المركزي سبع سنوات.

في الطريق إلى محطة غسيل، جاءني اتصال من شقيقه، فقلت في نفسي: ماذا تريدون مني يا مجرمين؟ وفوجئت بأن رفيقي على الخط وقال: أرجو أن نلتقي لآخذ محفظتي وهاتفي وبقية أغراضي الموجودة في درج سيارتك، فارتبكت أكثر: هل الشرطة تستمع إلى هذه المكالمة؟ هل تقوم باستدراجي تحت إشرافهم؟ فضحك وقال: أنا في طريقي إلى البيت، أُخلي سبيلي بعد اكتشاف الخطأ.

سألت صديقي، فقال إن الشرطة لم تشرح له أي شيء، كل ما قيل له: هناك تشابه في الأسماء، هيا البس نعالك واخرج من هنا، وحاول أن لا نضطر إلى رؤية وجهك مرة أخرى، ولولا اختلاف بصمات أصابعك مع البصمات المأخوذة من الشخص الذي تتطابق بياناته مع بياناتك، لكنت ذهبت في ستين داهية.  

قلت لصديقي: وهل صدقت هذا الكلام، يستحيل أن تتشابه جميع بياناتك مع شخص آخر، والخطأ الذي كلّفك توقيفاً مع المجرمين أكثر من يوم، هو خطأ موظف مهمل كان في تلك اللحظات يجلس في المقهى مع أصدقائه ويشكو مع كل كركرة شيشة من ضغوط العمل.

وأنا على يقين بأنه ألقي القبض في أحد الأيام على شخص ارتكب جريمة، وفور إدخال مدخّل البيانات اسمه الأول والثاني ظهر السجل الجنائي الخاص بك، وأنت بالطبع لم تنس المشكلة التي تورّطت بها في أيام المراهقة. ويبدو أن الموظف سمع في اللحظة نفسها رنيناً في هاتفه المتحرك، ربما وصلته رسالة على "البلاك بيري" أو تغريدة في "تويتر"، فقرأ النكتة السخيفة وضحك كالعادة، وحين وضع يده على لوحة المفاتيح من جديد كان قد نسي التحقق من بقية البيانات، ونقر على زر: إدخال، فتحولت جريمة الشاب الذي أمامه إلى سجلك الجنائي. ويبدو أن هذا الشاب أعجبته اللعبة، فأخذ يرتكب جميع جرائم قانون العقوبات، وفي كل مرة تسجّل ضدك.

وبالطبع، لا يمكن تفكيك هذا الخطأ بالتفصيل الذي ذكرته إلا إذا كنت أعرف كيف يحدث، فففي أيام عملي رئيساً لأحد الأقسام في دائرة حكومية، زاد فجأة عدد الأشخاص الذين يذرعون الممرات ذهاباً وإياباً يبحثون عن حل أو تفسير لما يحدث معهم.

فالذي كان يحدث أن معاملاتهم كانت تحوّل إلينا من جهة أخرى، ويقوم موظف من القسم بتسلم المعاملة وإدخال بياناتها في السجل الإلكتروني. وبعد أيام حين يأتينا المراجع، يكتشف أن اسمه غير مدرج في السجل، وأن معاملته لم تصلنا.

ورحنا نجري اتصالات مكثفة مع تلك الجهة نسألهم عن المعاملات، فيقولون لنا إنها أرسلت وإن فلاناً تسلمها، فنعود إلى فلان ونكتشف فعلاً أنه استلمها، لكن اسم صاحب المعاملة غير موجود في السجلات، ومن ثم فإن المعاملة تتوقف في مكان ما بطريقة غريبة.  

وبقيت أياماً أسهر حتى ساعة متأخرة في العمل لأضع يدي على مكمن الخلل، أو أجد تفسيراً لما يحدث، إلى أن قررت التفكير خارج المربع، وأخذت أدخل الأسماء بشكل خاطئ، واكتشفت السر، وهو أن فلاناً الذي يدخل البيانات يفعل ذلك وهو نائم أو غائب عن الوعي أو مشغول بأي شيء سوى لوحة المفاتيح التي أمامه.

فمثلاً، اسم صاحب المعاملة "جل خان عبدالقيوم"، وإذا باسمه موجود في السجل الإلكتروني هكذا: "حل جان عبدالقيوم"، ولو جلست ألف سنة تجرّب "جل خان عبدالقيوم"، فإن سجله الإلكتروني لن يظهر، رغم أنه صاحب معاملة، ورغم أن هناك ملفاً ورقياً باسمه، ورغم أننا تسلّمنا ذلك الملف.

واكتشفت أنه أخطأ حتى في إدخال الأسماء العربية المتداولة على نطاق واسع، فمحمد مثلاً كان في بعض الحالات "مجمد"، وسالم يصبح "شالم"، وعلي يصبح "على"، بينما هدى تصبح "هدي"، والبرنامج غبي أو غير متطور، يعتمد اعتماداً كلياً على الاسم، وفوق هذا، لا يرسل تنبيهاً لمن يستخدمه بأن الاسم المدخل غير موجود في العالم.  

لم أستطع ليلة الاكتشاف النوم، وفي الصباح كنت أقود سيارتي بسرعة جنونية، وما إن رأيت ذلك الموظف حتى صببت عليه كل الغضب والتعب الذي ذقته وذاقه حل جان وشالم ومجمد وغيرهم أو غيزهم، فنظر إليّ بعد أن وضع هاتفه المتحرك في جيبه وقال بهدوء رائع: جلّ من لا يسهو.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01