search
إصدارات
ارتباطات
صديقي الذي أحبه من أجل عيالي
23/6/2012

 

يستوقفني عيالي كلما قطعت صالة الجلوس بالكندورة ويسألونني عن وجهتي، وفي الغالب أقول: سأذهب للكتابة، فينطوحنني برؤوسهم وأضع قبلات على شعرهم، وهي طريقة الوداع المعتمدة في منزلي.

وفي إحدى المرات سألني ابني: ستذهب للكتابة؟ قلت: كلا، سألتقي بشخص يستطيع أن يجعل حياتك أفضل. لم يستوعب ابني ما قلته وربما قال في نفسه: يبدو أن أبي سيقابل سقراط.

وبعد أن عجزت في المقهى عن إقناع جليسي بالعودة إلى ما كان يفعله، لم يكن أمامي إلا مواجهته بالحقيقة:

ـ يبدو أنه لم يخطر ببالك لم بعثت لك رسالة إلكترونية قبل سنة وطلبت فيها رقم هاتفك وتعرفت إليك؟ ويبدو أنك لا تعرف لم أحاول منذ ساعة إقناعك بالعودة؟ 

ـ لأننا أصدقاء؟

ـ نحن لم نولد من بطون أمهاتنا أصدقاء.

ـ ربما كانت أفكاري متوافقة مع أفكارك.

ـ أعرف أشخاصاً آخرين أفكارهم متوافقة مع أفكاري ومع هذا، فلم أسع إليهم ولم يسعوا إليّ.

ـ يعلم الله أن لا غاية لي بصداقتك، لقد أحببت أن أكون صديقاً لك لله في لله.

ـ وأنا أحب أشخاصاً كثيرين في هذا العالم لله في لله، لكنهم ليسوا أصدقائي.

ـ ما هي الغاية من صداقتك معي يا صديقي الغائي؟

ـ حسناً، أنا أحببتك لأنني أحب عيالي، وسعيت إلى صداقتك لأنني أريد أن أقف إلى جانبك لتواصل ما تفعله لأضمن أن يعيش أولادي حياة أفضل، وكل من يستطيع القيام بهذا الدور هو صديقي.

بدأ صديقي يحك جبهته وهو ينظر إلي ولا يدري ما يقول، فقلت:

ـ أنت كاتب في جريدة، وبعد كل مقال أقرأه لك أشعر بأن هناك أملاً، وأن الغد سيكون أجمل. أنت بمقالاتك تحسّن الحياة، وكلما تحسّنت الحياة كان القادم أفضل، وحين سيأتي هذا الغد سنكون أنا وأنت في التراب، والغد هو يوم عيالي.

أطلق صديقي ضحكة ساخرة محاولاً إخفاء إعجابه برأيي فيه، وقال:

ـ يا عزيزي، لا رأي لنا حتى في حاضرنا، نحن نكتب لأنفسنا، لا أحد يهتم، ولا أحد يقرأ أصلاً. كما أن الكاتب لم يعد قادراً على ترك بصمة في الحياة. نحن لا نشكّل الثقافة، ولا قيمة لنا بوجود التلفزيون، والسينما، فثقافة الصورة طغت على ثقافة النص المكتوب. العالم لم يعد نخبوياً يا صديقي الغائي.

ـ لا أتفق معك في أي شيء مما قلته يا صديقي الذي أحبه من أجل عيالي، فالتلفزيون والسينما وثقافة الصورة، هي كلها في الأصل كتابات. الفيلم مثلاً نص مكتوب، فلا يمكن أن يأتي ستيفن سبيلبرغ وهو يحمل كاميرا على كتفه، ويقول: أنت يا براد بيت قف هنا، وأنتِ يا أنجلينا جولي تقدمي نحوه واصفعيه على وجهه، هيا، أكشن. حتى أفلام "سيب سيكو في حالو" لها سيناريو مكتوب.  

ـ لكن يستطيع مصوّر واحد إحداث التغيير سواء للأفضل أو الأسوأ من خلال صورة يلتقطها بطريقة تتضمن توجيه رسالة.

ـ المصوّر قرأ شيئاً، جيداً أو سيئاً، حتى أمكن اعتماده لدى جهة تعرض صوره على نطاق واسع. هو في البداية تشكّل وعيه من خلال منهج تعليمي، وقرأ صحفاً، وشاهد أفلاماً، واستمع إلى إذاعات، وكل هذه الأمور هي نصوص مكتوبة ولو بشكل غير مباشر.  

ـ هل تنكر أن مغنية مشهورة يمكن أن تفسد ذوق جيل كامل من خلال ملابسها غير اللائقة، أو كلمات أغانيها المبتذلة؟

ـ المغنية نفسها تشكّلت من خلال نصوص، أصبحت مبتذلة لأنها قرأت كلاماً مبتذلاً، أو كانت تعيش في بيئة مبتذلة، ومثل هذه البيئة لا تحدث من تلقاء نفسها، كانت الثقافة التي تؤثر في هذه البيئة ثقافة سيئة، سواء بفضل أشخاص كتبوا أو تركوا نصوصاً سيئة، أو لعدم وجود أشخاص يكتبون أشياء جميلة تنتشل تلك الثقافة التي كانت في تلك البيئة التي نشأت فيها تلك المغنية.

ـ هكذا ببساطة؟

ـ تخيّل لو كان لهذه المغنية شقيقة أو صديقة، وكان لها تأثير عليها، وكانت ضد الابتذال، لأنها قرأت ما يكفي من الروايات العظيمة، فهل كانت المغنية ستصبح مبتذلة؟ كل شيء يجرّ شيئاً آخر.

ـ جميل جمال، لكن ماذا عن الإنترنت الذي أصبح المؤثر رقم واحد في العالم؟

ـ لو كتبت أنا وأنت وغيرنا ضد العنصرية مثلاً، وأصبح العدد الأكبر ممن ينشرون موادهم المكتوبة أو المسموعة أو المرئية في الإنترنت ضد العنصرية، حتى أصبحت ثقافة إلكترونية عامة، فهل كان من يبثون العنصرية هم بالأعداد الحالية؟ يكفي يا رجل أن ينتمي الأشخاص الذين يتحكمون في حنفيات النشر الإلكتروني إلى ثقافة متسامحة ليمنعوا سيل المواد العنصرية على الإنترنت، أو يجعلوها مجرد قطرات.

ـ وهل عودتي للكتابة ستغير العالم؟

ـ نعم يا صديقي، فأنت كاتب جميل، منفتح، متنوّر، تكتب في جريدة مقروءة. يكفي أن يؤثر مقالك على شخص واحد لتصبح الحياة أفضل.

ـ شخص واحد فقط؟

ـ نعم، فقد يكون هذا الشخص عضواً في اللجنة التي تقرر المنهج التعليمي لأجيال كاملة. ويكفي أن يؤثر هذا المنهج على طفل واحد، ربما يصبح شخصاً مهماً حين يكبر ويصدر قراراً يفتح باب المستقبل أمام ابني. والعكس قد يحدث لو احتل مكانك في الجريدة كاتب ضار بالعقل والقلب. ويكفي أن يؤثر مقال واحد لك على مخرج أفلام، فيختار نصاً جميلاً، ويصنع فيلماً جميلاً، يُعرض في السينما، فيتأثر به شخص واحد، لا نريد شخصين، يكفي هذا الواحد الذي يمكن أن يؤثر على شخص واحد فقط بدوره، وهكذا.

ـ يبدو أنني اقتنعت بكلامك.

ـ تخيّل أن الشخص الذي ستؤثر عليه هو والد الفتاة التي ستتزوجها في المستقبل، ثم على الولد الذي ستنجبه وستكون زوجتك هي معلمته الأولى، ثم عليك في عقر دارك بما أن الولد لن يعيش في بيت الجيران. كل شيء منّا وإلينا، وكل شيء يجرّ شيئاً آخر يا صديقي.

ـ أنا مقتنع بكلامك.

ـ وتخيل..

ـ يكفي، لقد اقتنعت، لماذا لا تصمت؟


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01