search
إصدارات
ارتباطات
لا أصلح مديراً حتى على نملة
5/5/2012

عملت في خمس وظائف: كاتب، رئيس قسم، مأمور تنفيذ، رئيس تحرير مجلة، ووظيفتي الحالية، غير الإشرافية ولله الحمد. ولا أذكر أنني كنت سعيداً في الوظائف الإشرافية، ففي المرة الأولى كان القسم الذي أشرف عليه يضم نحو عشرين موظفاً، وأستطيع القول إن خمسة منهم كانوا يؤدون عملهم بدقة وفوق المتوقع، وعشرة يؤدون المطلوب بالضبط، ولا نقرة إضافية واحدة على الكمبيوتر، وخمسة لا يفعلون شيئاً إلا التذمّر وتكرار الأخطاء، مع بعض الأعمال التي يمكن أن ينجزها أطفال المدارس.

وكنت كلما واجهت أحد المتذمرين بخطئه، أدار شريط مشكلاته مع إدارة الموارد البشرية، فترقيته تأخرت، وأحلامه تبخرت، وشهادته تبروزت، والإدارة العليا تعامله بمبدأ: هات فقط. فإذا قلت له: لكل مجتهد نصيب، ذكّرني بموظفين لم يجتهدوا لكنهم التهموا كعكة النصيب. فإذا قلت له: وما ذنب المراجعين؟ قال: وما ذنب أطفالي؟ وإذا قلت: هل قصّرت معك؟ قال: أنت أخ عزيز، لكنني مثل الخادمة التي يعاملها أهل البيت معاملة رائعة لكن رب الأسرة لا يعطيها راتبها. وينتهي الحديث بوعود متبادلة. ولا أنا كنت مسموع الكلمة في الموارد البشرية، ولا هو كان يبالي بما أقول.

ولأنني كنت ألعب بخمسة لاعبين فقط، مع هجمات مرتدة من جماعة "بـالضبط"، فكانت مصلحة العمل تقتضي بأن أماطلهم في الموافقة على إجازاتهم، وأرفض رفع جزء من مهام الموظفين المحسوبين على القسم من على كاهل هؤلاء الخمسة، وكان غياب أحدهم يجعلني أتصل به مليون مرة، والخطأ الذي يقترفه كارثة قومية.

وبالطبع، كانوا يتذمرون بدورهم، وأذكر أحدهم قال لي بحزن بعد أن حاسبته على خطأ ارتكبه في عمل ليس من مهام عمله أصلاً: فلان يقضي يومه في شرب القهوة واللعب في الإنترنت، إضافة إلى إجازاته المرضية التي لو كانت حقيقية لكان الآن في القبر. فقلت له: يا أخي أنا أعامله كأنه طاولة إضافية، وفي كل تقييماته السنوية يحصل على درجة ضعيف. فقال: لكنه يحصل على الامتيازات التي أحصل عليها، فقاطعته بغباء: كلا، أنت حصلت على علاوة هذه السنة، فقاطعني وهو يخرج محفظته: خذوا الـستمائة درهم في مقابل أن أكون كرسياً إضافياً.

ولأنني كنت مثالياً بدرجة خيالية، فقد تقدمت باستقالتي، ورضيت بوظيفة مأمور تنفيذ في المحاكم، وهي وظيفة غير إشرافية. واعتبرني الجميع مجنوناً، وفعلاً كنت كذلك، لكن الثمن كان يستحق: تخلّصت من شعور مطالبة المظلوم وظيفياً بأن يكون موظفاً رائعاً.

وواصلت جنوني في الوظيفة الجديدة، فكلما عُرض علي أن أتولى وظيفة إشرافية ذكّرتهم بأنني لو كنت أصلح للإدارة، أو الإشراف، لما كنت هنا.

مضت الأيام جميلة حتى جاءني عرض بوظيفة رئيس تحرير، ولم أضع إمضائي على العقد إلا بعد أن أقنعني مدير الشركة مالكة المجلة بأنني لن أكون رئيساً على الموظفين وإنما على إبداعهم، فلن توظّف، ولن تقيل، ولن تسأل عن الحضور والانصراف، ولن تأمر بزيادة أو خصم راتب أو موافقة على إجازة أو رفضاً له، إشرافك سيكون على إنتاج الموظف، ورأيك سيؤخذ به في تقييم عمله الفني، فسألته: ومن سيتولى تلك المهام إذن؟ قال: الموارد البشرية.  

بعد مضي شهر واحد فقط اكتشفت أنني فعلاً لست المسؤول عن أي شيء يخص الموظفين في القسم التقني وفي أقسام الإعلانات والتوزيع والحسابات، لكن كل من له بصمة على أوراق المجلة، كالصحفيين والمدققين والرسامين والمخرجين، فإنهم يلجؤون إليّ في كل أمر يخصهم أو حتى يخص عيالهم.

فإذا تأخر راتب أحدهم فإنه يطرق باب مكتبي يسأل. وإذا اتضح أنه يستحق رسوماً مدرسية بموجب العقد لكنه لم يحصل عليها في الحقيقة، فإنه يأتي ويشرح قصة حياة مستقبل أبنائه. وإذا وجّه إليه إنذار بسبب التأخر في الحضور، فإنه يعتب علي لأنني في الليلة السابقة كلفته بعمل إضافي، فإذا رفعت السماعة وقلت للموارد البشرية بأنني في ذلك اليوم أرسلت رسالة بإعفاء الموظف من التأخير، ردّوا علي بأن الإنذار يخص يوماً آخر، فإذا قلت للموظف ما قالوه لي، قال: كلا، هذا اليوم كان هو اليوم نفسه.

وكلما قلت لمدير الشركة بأنني أفقد تركيزي كرئيس تحرير مسؤول عن كل حرف ينشر، قال لي: لا تسمح لهم بأن يجعلوا منك موظفاً في الموارد البشرية. فأقول: هل أدخل أصابعي في أذني كلما دخلوا مكتبي؟ يقول: إن تطلب الأمر امنعهم من الدخول، فأقول: فكيف سأتوقع أن يبدعوا في عملهم الصحفي وأنا أعاملهم بتلك الطريقة؟ فيقول: يجب أن يفرقوا بين رئيس التحرير وبين الموارد البشرية؟ فأتذكر الخادمة التي يعاملها أهل البيت معاملة رائعة لكن رب الأسرة لا يعطيها راتبها.

أما أسوأ يوم فكان يوم التقييم الذي ينبغي أن يوافق عليه المقيَّم أو يرفضه، فكل من كان تقييمه أقل من امتياز جاءني ليناقشني: كيف سأبدع في عملي وأنا لم أحصل على إجازتي السنوية؟ كيف ستقل أخطائي وأنا أؤدي عمل شخصين معاً؟ كيف تطلب مني أن يكون أدائي فوق المتوقع بينما تعامل الموارد البشرية معي أقل من المتوقع؟ كيف تحاسبني على التأخر في تسليم الرسومات وأنت تعلم أن القسم التقني لم يوفر لي البرنامج الإلكتروني المطلوب؟

كنت أمام خيارين اثنين: إما أن أعطي الجميع تقييماً ممتازاً، وهذا كان مستحيلاً، وإما أن أعقد اجتماعات مع بقية الأقسام التي لا أشرف عليها، وأراقب كرة اللوم وهي تلقى من هذا الطرف على ذاك، ثم أقعد أفك عُقد الحبال وأحلل كل القصص التي أسمعها من جميع الأطراف، مع ذاكرة فولاذية تستطيع استرجاع كل موقف حدث طوال أيام السنة، وكان هذا أيضاً مستحيلاً.  

ولحسن الحظ أنني لم أواجه مصيبة التقييم إلا مرتين فقط، فالتقييم الثالث لم أناقشه مع أحد لأن المجلة أغلقت، وقررت أن أغلق في وجهي باب أي وظيفة أكون فيها مشرفاً، ولو على نملة.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01