search
إصدارات
ارتباطات
كيف تستفيد من الكلمات المفتاحية؟
30/6/2012

بكلمة واحدة أحبس أنفاس من يقدم لي خدمة وأضعه في خانة "اليك"، فيضطر لتقديم أفضل ما عنده. فمثلاً، حين أقدّم إيصال الدفع مع ورقة مالية من فئة كبيرة لمحاسب شركة أو مؤسسة تعاملت معها، فإنني أقول بابتسامة لطيفة: ألا توجد حسومات؟

بالطبع، المحاسب لا يملك حق حسم مبلغ الفاتورة، لكنه يملك خيالاً سيذهب بعيداً إن كان من النوع الذي يغافل الناس ويستولي على نقودهم، لأنه سيفكر: يبدو أنه شخص لعين، قصير وبدين وماكر يموت على الفلس الأحمر، وما دام طرح فكرة الحصول على حسم، فمن الطبيعي أنه سيقعد مثل الشحاذين يعد فكّة النقود. تباً له، سأعيد إليه أمواله، وسأجرّب حظي مع العميل التالي.. يا فتّاح يا عليم على الصبح.

وإن كان المحاسب أميناً، وهذا هو الأصل في كل الأحوال، فإنه قد ينظر إليّ بقرف، ولا أبالي بطبيعة الحال، أو قد يتبسّم و"يفرفش"، وهكذا أكسب أجراً، وربما يخطئ في غمرة النشوة التعاملية ويعطيني أكثر من حقي، ولا أبالي بطبيعة الحال، في المقال فقط.

وأستطيع أن أؤكد بأنني منذ أن اهتديت إلى هذه التقنية لم أفكّر في احتساب أي نقود ترجع إليّ، ولو حصل أن دفعت لشخص مبلغ مليون درهم، وكان يفترض أن يستقطع منه مبلغ نصف درهم فقط، فإنني لن أشغل نفسي بعدّ مبلغ 999 ألف و999 درهماً، ونصف درهم.

وحين أقرر فجأة دخول أي محل حلاقة يصادفني في الطريق، فإنني أسأل الحلاق قبل أن يطقطق مقصه: هل أنت جديد؟

فإن كان حديث العهد بالمهنة فإنه سيبتعد خطوات ويهمس في أذن المعلم: يبدو أنه شخص لعين، وسيخلق مشكلة لو أخطأت في تقصير شعرة واحدة بغير رغبته، فيضطر المعلم شخصياً لتسلّم رأسي، وهكذا أضمن حلاقة جيدة.

وقد يقرر الحلاق خوض المغامرة، وسيعتني برأسي عناية فائقة، وسينخرط في مونولوج داخلي: يا ويلي إن قشّرت رأسه مثل البرتقالة، إذ يبدو أنه شخص لعين ولن يفوّت أي خطأ "تحليقي".

وإن كان الحلاق مخضرماً، فإن سؤالي سيشعره بالإهانة، أو بالألم لعدم تقديره حق قدره، وسيعامل رأسي كلوحة فنية سيشارك بها في مسابقة أجمل حلاقة في العالم، وسيقول في نفسه: يبدو أنه شخص لعين لا يثمّن كلامه، سألقنه درساً في معرفة الحلاق المخضرم من أول نظرة.

وحين أقدّم معاملتي لموظف في جهة حكومية، فإنني بعد السلام عليكم أسأله ببلاهة: هل لديكم إدارة للجودة؟ سيأخذ المعاملة وسيقول كالعادة: يبدو أنه شخص لعين، ومن الجماعة التي تثرثر في الجودة، وسيقعد الآن يحسب علي أنفاسي، وسأذهب في داهية لو أخطأت في حرف واحد، لأنه سيثير ضجة عالمية. هؤلاء الأشخاص يعرفون كيف يعبّرون بكلمات برجوازية عن مشكلات عمّالية. سأنهي معاملته بأسرع وقت وبأفضل طريقة، ليذهب إلى الجحيم ومعه الجودة.

فإن كان الموظف رائعاً ولا يحتاج إلى تحريك ذراع النشاط فيه باللسعات، فإنه قد يتجاهل سؤالي ويؤدي عمله بحرفية، أو قد يفتح باب الحوار معي عن أهمية الجودة ويصبح صديقاً لي أستغله بعد ذلك أقصى الحدود المسموح بها للاستغلال.

أما في المطعم، فيكفي أن أدخل وأنا أتحدث في هاتفي المتحرك مع الوهم: في البلدية؟ لا تهتم. بالطبع، مدير المطعم هو الذي سيهتم وسيغم بهذا الزبون، وسيقول: يبدو أنه شخص لعين، سأقدم له أفضل وأنظف وأشهى طبق، سأطبخ له بنفسي، صحيح أنه لعين لكنني سأوفر بهذه الطريقة على نفسي عناء الدخول في مهاترات حول النظافة العامة وصحة الزبائن مع المزعجين الذين يعملون في البلدية.

وحين أسلّم الميكانيكي السيارة لإصلاح أي عطل فيها، فيكفي أن أذكر أمامه أي كلمة لها علاقة بالقطعة المعطوبة، أو بإصلاح السيارات عموماً، أو حتى بهندسة الميكانيكا. فإذا كانت المشكلة في جهاز تبريد السيارة، الذي لا أعرف عنه أي شيء، فإنني أفتح غطاء المحرك بثقة، ثم أقف وقفة لا مبالاة كأنني مخترع السيارة، وأقول بخفة: لن يستغرق الكثير من الوقت.

وبهذه الحركات، وبتلك الكلمة، أكون قد وضعت الميكانيكي في موقف صعب، لأنه سيقول في نفسه بينما يحشر يديه في الماكينة الملتهبة: يبدو أنه شخص لعين، ومعتاد على فتح غطاء سيارته، ويعرف العلّة أكثر مني، كيف يمكن أن أخدعه الآن، أمري لله، سأصلح سيارته بضمير، ولن أستطيع مضاعفة الأجرة.

فإذا رآني أقيس زيت السيارة، ولا أعرف كيف يقاس أصلاً، أو أعبث بأي سلك أو قطعة في الماكينة أي كلام، سيقول في نفسه: يبدو أنه لعين ومن عائلة ميكانيكية، ومن الأفضل أن أصلح سيارته مجاناً لأتخلص من همّ اكتشاف ألاعيبي.

وستلاحظون أنني في جميع تلك الأمثلة، لم أستعمل التهديد، ولم أكن أسيء المعاملة، ولم أمارس الابتزاز، ولم أنتحل صفة أحد، ولم أفعل أي شيء خطر أو ينم عن قلة أدب أو أظهرت أي سلوك غير محترم، وكل ما فعلته هو استخدام كلمة مفتاحية، ثم ترك المستمع يبحر في خياله إلى أن يجد نفسه محاصراً في وسط جزيرة لا يمكن الخروج منها إلا بتقديم أفضل خدمة ممكنة. 

  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01