search
إصدارات
ارتباطات
الإرهابي.. مجرم أم مجنون؟
10/5/2012

حدث ما لم يتوقعه القاتل اليميني المتطرف أندرس بريفيك الذي وضع قنبلة قرب مقر الحكومة النرويجية وأدت لمقتل 8 أشخاص، ثم قتل بأسلحة رشاشة 69 شاباً كانوا يخيّمون في جزيرة صغيرة، فلدى المحكمة الآن تقارير طبية تشير إلى أنه مختل عقلياً.

واعتبر أندرس نفسه قائد فرسان العدالة، مبرراً فعلته بأنها كانت ضرورية، وأنه مسؤول عن القتل، لكنه غير مذنب، فهو كما يقول استخدم الإرهاب كوسيلة لإيقاظ الجماهير، ويقصد تنبيه أوروبا إلى خطورة الهجرة والتعددية الثقافية والإسلام.  

وربما للمرة الأولى يحدث أن يناضل متهم بجرائم قتل لإثبات أنه عاقل، وهو ما يفعله السفاح النرويجي، فإذا ثبت أنه مختل عقلياً فإنه سيودع في مستشفى المجانين ولن يخرج منها إلا إلى المقبرة، أما إذا حوكم باعتباره مسؤولاً عن أفعاله، فسيحكم عليه بالسجن 21 عاماً قابلة للتمديد إذا وُجد أنه لا يزال خطراً.

لكن سفاح أوسلو لا يرغب في إدانته جنائياً ليحصل على حريته بعد قضاء فترة العقوبة، وإنما يريد إثبات أنه عاقل ليدخل السجن، فتبقى عقيدته حية بين الناس وتأخذ في الانتشار. أما إذا ثبت أنه مجنون، فإن عقيدته ستكون معرضة للشك في مدى عقلانيتها، هذا إن لم تصبح عقيدة مجانين بحكم قضائي، فتموت أو تقوّض.  

وسيكون إثبات جنون هذا السفاح أفضل نهاية له بالنسبة للمسلمين في جميع أنحاء العالم، وستصبح العقيدة التي أوجدها بنفسه محل تندّر على أفواه زملائه المجانين، وسيجنّ حينها فعلياً ذلك الجنون الذي لا يحتاج إلى أطباء لإثباته. فمن الممكن أن تنتشر فكرة شيطانية مهما كانت غير عقلانية ما دام صاحبها لم يثبت أنه مجنون، بل قد يصبح أسطورة أو أيقونة أو روحاً شريرة يتقمصها آلاف غيره، بينما فرصة انتشار الفكرة نفسها بعد إثبات جنون صاحبها، ستقل بشكل كبير.

ولنتخيل أن شخصاً مثل ابن لادن عُرض منذ ظهور انحرافه الفكري والمسلكي على أطباء في الأمراض العقلية والنفسية، وأعلنوا أنه مختل عقلياً، وهو فعلاً كان مختلاً بطريقة ما، فهل كانت أفكاره أو أفكار "القاعدة" التي أسسها ستلقى من يتبعها أو حتى يضيع وقته للاستماع أو الترويج لها؟

ولنتخيل أنه بدلاً من سجن أي إرهابي أو إعدامه أو مطاردته باعتباره شخصاً عاقلاً، أدخل إلى مستشفى المجانين أو أعلن أنه مختل عقلياً، فمن سيجرؤ على الدفاع عن أفكار شخص مجنون؟ ومن سيحتضنه؟ ومن سيروّج له أو يصفه بالمجاهد أو البطل أو الشهيد؟

حين يرتكب شخص جريمة قتل لدوافع جنائية، كسرقة أو اغتصاب أو انتقام أو ثأر، فإنه في الغالب لا يكون مجنوناً، أعني لا يعاني خللاً في عقله، فالاستيلاء على مال الآخرين، أو إشباع الشهوة بالقوة، أو إسكات صوت الثأر، هي أمور تدخل في انحراف الأخلاق والسلوك وضعف الوازع الديني، ولا يمكن أن توصف بأنها خلل في العقل.

أما الذي يقتل بشكل عشوائي بناء على أيديولوجية في رأسه أو كراهية يكنها لأمم بأسرها أو للضغط على الدول الكبرى لتغيير سياساتها الخارجية، وهو يعلم بأنه مهما قتل فإن القضية التي يقتل من أجلها لن تُحل، فإنه يمكن أن يوصف بأنه مختل العقل، ومن ثم فإن أفضل نهاية له بالنسبة للآخرين، هو أن يودع في مستشفى المجانين، وفي غرفة يجلس فيها وحده مع أفكاره.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01