search
إصدارات
ارتباطات
دوامة استغلال الدين في السياسة
30/5/2012

أي انتخابات نزيهة تجرى في بلد عربي تقترب نسبة المسلمين فيه من 100 بالمئة، سواء انتخابات مجالس طلبة أو نقابات أو برلمانات أو رئاسة، فإن حظوظ مرشح التيار الديني بالفوز تكون أقوى. وأرجو ألا يجهد شخص نفسه في تذكّر حالة هنا وحالة هناك تقوّض هذه القاعدة، فما دام هو عصر ذاكرته فهذا يعني أن الحالة استثناء.

ينظر أكثرية الناخبين، والأكثرية قد لا تتعدى الـ 51 بالمئة، إلى المرشح الديني ليس باعتباره ملتحياً أو إسلامياً بمعناه السياسي، وإنما باعتباره شخصاً ملتزماً بتعاليم الإسلام، وحريصاً على تطبيق شريعة السماء.

أما منافسه، فهو في نظر الأكثرية ليس ملتزماً كما ينبغي، فهو مثلاً لا يستشهد بالآيات والأحاديث في حركاته وسكناته، ولا يقطع جولاته الانتخابية ليؤدي الصلاة، وحتى لو فعل، فإن منافسه لن يقف متفرجاً، فإن زايد عليه، فإنه يصبح تلقائياً مرشحاً إسلامياً ينافس وصاحبه المرشح غير الإسلامي، الذي إن ركب الموجة صار مثلهما، وهكذا، ويبقى الفرق بينهم بعد ذلك في قوة سلاح الفتوى، فكلما كان المرشح مدعوماً من فقهاء مسيسين كان حظه أوفر.

والويل للمرشح من تيار غير ديني لو أعلن في برنامجه الانتخابي بأنه من دعاة الدولة المدنية، وبالبداهة هو سيعلن ذلك، وأنه سيُشرع لقوانين في كذا وكذا، إذ أن استخدام كلمة "التشريع" كافية وحدها لإسقاطه من حسابات الأكثرية، فحتى لو كان الناخبون يعرفون تمام المعرفة بأن المرشح الذي يرفع لواء الدين، سيرفع لواء المصلحة حال فوزه، فإنهم يفكرون هكذا: لن نُحاسب غداً على ترشيح مرشح إسلامي قد ينقلب على مبادئه، لكننا بالتأكيد سنُحاسب لو صوّتنا لصالح مرشح يعلن بلسانه بأن برنامجه لا يقوم على الدين، تماماً مثل فكرة البنوك الإسلامية التي يلجأ إليها الناس لإراحة ضمائرهم حتى لو كانوا يعلمون بأن الفكرة مجرد تلاعب بالألفاظ.

فإذا صوّتت الأكثرية اليوم لمرشح التيار الديني ثم مارس خلال مدة رئاسته جميع أساليب الغش، فجاءت الدورة الانتخابية التالية وترشّح ثلاثة: الرئيس المخادع المنتهية ولايته، ومرشح مدني، ومرشح من تيار إسلامي آخر بخلاف التيار الذي ينتمي إليه الرئيس، فلصالح من سيقترع الأكثرية بالله عليكم؟

لنفترض أنهم اختاروا المرشح المدني في لحظة بصيرة جماعية، فهل سيتمكن من تطبيق برامجه وتنفيذ وعوده بينما هناك معارضة دينية شرسة تطعن في شرعيته، وتشوّش عليه عمله، وتقارنه بالخلفاء الراشدين مثلاً؟ فإن كمّم أفواههم أصبح مستبداً في نظر الناس، وإن تركهم يألّبون الناس عليه، فإن مشروعه سيسقط، وإن أخذ يفنّد حججهم، فإنه بطريقة أو بأخرى سيكون في نظر الناس ضد الدين، الذي هو من الأساس رهينة بيد التيارات الدينية.

وينبغي ملاحظة أن الناس يتغيرون كأشخاص لا كأفكار، فمن صوّتوا لمرشح ديني ثم ظهر أنه يستغل الدين، لن يكونوا هم بالضرورة الأشخاص الذين سيصوّتون لمرشح ديني آخر سيعمل جاهداً على إقناع ناخبيه بأن المرشح الأول كان يستغل الدين بينما هو مؤمن حقيقي. فما دامت الأفكار نفسها لم تتغير، فإن تغير الناس لن يقدم ولن يؤخر.

ويبدو أنه يصعب الخروج من هذه الدوامة إلا بالتنوير، وليس مجرد نشر التعليم التقليدي والتلقيني، وبإشاعة أجواء حرية التفكير والتعبير والبحث، لكن يبقى السؤال: من سيحمل الناس لتسير في طريق الخروج من هذه الدوامة؟ وكيف؟


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01