search
إصدارات
ارتباطات
"الإخوان" يفتحون شهية السلفيين
7/6/2012

"إن صبر الشعب التونسي قد نفد. أنتم تسيئون لأنفسكم وللإسلام بمحاولة فرض نمط مجتمعي بالقوة، ونحن لسنا كفاراً ولا يحق لأي جزء من الشعب أن يفرض شيئاً على الجانب الآخر"، ويخال للمرء أن هذه لغة بن علي إبان حكمه، لكن الحقيقة أنها لغة حمادي الجبالي.

كان ابن علي في زمانه يعتبر التيار الديني المتشدد، ممثلاً في حزب "حركة النهضة" الإخوانية بزعامة الغنوشي، جماعة متخفية باسم الدين. وابتلعت الأيام بن علي وجاءت بـ"النهضة" التي حققت أعلى نسبة من الأصوات في الانتخابات، واختير أمينها العام حمادي الجبالي رئيساً للحكومة الائتلافية، ولم يكن أحد يتصوّر أن يزايد تيار إسلامي على إسلامية "النهضة"، أو يتصوّر رفع راية الإصلاح في وجه جماعة إسلامية أصبحت في الحكم، لكن هذا ما حصل. 

أطلّ الجبالي من شاشة التلفزيون الحكومي وتحدث عن جماعة متخفية باسم الدين، مهدداً الجماعات السلفية التي أحرقت حانات في إحدى المدن، وأحرقت مركزاً للشرطة، وكانت قد رفعت في وقت سابق العلم الأسود في إحدى الكليات. كما هدد وزير داخليته باستخدام الرصاص الحي في حال مهاجمة مراكز الشرطة. ورغم أن قيادياً في تلك الجماعة أدان الهجوم إلا أنه ألقى باللائمة على الحكومة لأنها لم تغلق الحانات، وقال إن مجموعات سلفية وجّهت تنبيهاً شفوياً لأصحاب الحانات، لكن الشرطة ألقت القبض عليهم، وأنها متواطئة مع بائعي الخمور.

ولعبة إصلاح السياسة بالدين لا نهاية لها، فلو لم تلق الشرطة القبض عليهم، لعادوا إلى الحانات وأغلقوها بالقوة، ثم سيطالبون بالاحتشام، بـ"التنبيه" في المرة الأولى، ثم باستخدام القوة، فإن احتشم الناس ساقوهم إلى المساجد بالعصي، وهكذا إلى أن يجعلوا بلادهم قطعة من جهنم. ولو حكمت هذه الجماعة يوماً ما، فستظهر جماعات دينية أخرى تمارس السلوك الصبياني والهمجي بحجة الإصلاح.   

وأوراق الضغط التي كانت تستخدمها "النهضة" ضد بن علي، هي نفسها أوراق السلفيين ضد "النهضة"، والمضحك أن الجبالي يقول عن جماعته إنهم ليسوا كفاراً، والسلفيون يقولون إن جهات في الحكومة تصنع منهم فزّاعة لإخافة التونسيين، فما أشبه اليوم بالبارحة؟  

ما لا يريد أكثرية الناس الاقتناع به هو أن الإسلام السياسي، إن كان لا بد من دور له، فهو في المعارضة، إذ كلما حكمت جماعة منها ظهرت جماعة تناوئها بحجة إنهم لا يريدون إلا الإصلاح، لكن بتفسير آخر للدين، ومنهج مختلف لبثّ القيم الإسلامية، ورؤية مغايرة للحكم، فتصبح الجماعة التي تحكم في نظر الجماعة التي تعارض، جماعة لا تحكم بما أنزل الله، ومتهاونة في تطبيق الشريعة، وغير جديرة بتحمّل الأمانة، وتدير ظهرها للفكرة الإسلامية.

وما لا يريد أكثرية الناس تذكّره هو أن عثمان بن عفان، الصحابي المبشّر بالجنة وصهر النبي صلى الله عليه وسلم، جوبه بمعارضة قوية من فئات من المسلمين انتهت باستشهاده في دار الخلافة وهو يتلو القرآن. وأن علياً بن أبي طالب، فارس الإسلام وإمام المتقين، ظهرت جماعات من رحم الإسلام تكفّره وترفع السيوف في وجهه، ويقتله أحد أشقيائها في محراب الصلاة تقرباً إلى الله.

يبدو أنه متى ما فُتح باب الحكم أمام تيار في الإسلام السياسي، تفتحت شهية بقية التيارات الدينية بشكل تلقائي، ليدخل كل طرف معركة تطبيق الإسلام حسب هواه وبالأدلة الشرعية التي تخدم أهدافه، والخاسر الوحيد هو الأوطان.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01