search
إصدارات
ارتباطات
التنوير.. قبل الذهاب للصناديق
14/6/2012

حيثما وجدنا في بلد عربي ملامح للديمقراطية، فإننا سنجد أيضاً تيار الإسلام السياسي ممثلاً في الحكم، كما في تونس ومصر والمغرب والعراق ولبنان والكويت والبحرين. وحيثما لم نجد تلك الملامح، فلن نجد تمثيلاً سياسياً لهذا التيار، إلا إذا كان نتيجة انقلاب عسكري، كما في السودان التي يحكمها نظام عسكري بمرجعية إسلاموية.  

المعادلة واضحة، وهي مرشحة لتكون أكثر وضوحاً مع "الربيع العربي"، ومع هذا، نجد مثقفين علمانيين وليبراليين تلهج ألسنتهم بالديمقراطية، ومهما صدمتهم نتائج صناديق الاقتراع، فإن حماستهم للديمقراطية لا تفتر، ومبدأهم في رفض استغلال الدين لا يتغير. وقد تكون هذه أحجية، لكن لديهم الحل السحري: لا شيء غير التنوير يمكن أن يبصّر الناس بأن الدين لا يصحّ استخدامه كأديولوجية سياسية.  

مشكلة هؤلاء أن الآليات لا تعنيهم، فبضربة واحدة يجب الاحتكام للصناديق، ويجب منع استغلال الدين، ويجب أن يحدث التنوير كي تنقطع سلسلة خيبات الأمل بالنتائج التي تأتي بجماعات لا تعرف من الديمقراطية سوى عملية فرز الأصوات وإعلان فوزها.

أما كيف يحدث التنوير، ومن أين يبدأ، ومن يوفر له المناخ اللازم ليتنفس وينمو، فكلها أسئلة ثانوية، وهي للأسف الأسئلة الكبرى، وأسئلة الديمقراطية صغيرة جداً. وما لم تسبق التحوّل الديمقراطي مرحلة تنوير فإننا سنتقهقر إلى القرن السادس الميلادي بدلاً من موقعنا الحالي: القرن الثامن عشر، بينما العالم يعيش في القرن الواحد والعشرين.

التنوير ليس "لمبة" تضاء بكبسة زر، وإنما عملية طويلة تحتاج إلى مفكرين متنورين وشجعان، ولو افترضنا وجود ثلة منهم سينتشلون الناس من مستنقع التفكير غير العقلاني، فمن سيأخذ برأيهم عند وضع المناهج التعليمية التي هي الأساس في تشكيل وعي الأجيال؟ ومن سيجيز لكتبهم بأن تُطبع وتوزّع ما دام الرقيب يستعمل مقص الإسلام السياسي؟ وكم فقيهاً سيجنّد لتصوير الثلة المتنوّرة بمظهر الرويبضات والسفهاء والمعاندين وأعداء الدين وكارهي شريعة السماء؟

نحن نتكلم عن مجتمعات لم تتقدم في طريق التنوير مسافة خطوة نملة صغيرة، وربما لن يكون الإسلام السياسي الحاكم بحاجة للاستعانة بخدمات المكفّرين، فالناس الذين انتخبوهم، هم أنفسهم الذين سيلقنون المفكرين درساً في الكفّ عن التفكير. يكفي أن يقف أحدهم في وجه المفكر ويزعق فيه: ألم تطالبوا بالديمقراطية؟ ألم يصوّت الأغلبية لصالح التيار الديني؟ من تكون أنت لتُخطئنا كأكثرية وتظهرنا بمظهر فاقدي الصواب؟ وحتى لو كنا جموعاً من المتزمتين، فنحن الأكثرية، وصوتنا هو الذي ينبغي أن يُسمع؟

ولنفترض أن الشعب استيقظ على حقيقة أن الحزب الديني الحاكم ليس إلا تجمعاً لمخادعين، فأسقطوه وأتوا بحزب مدني، وهم لم يتنوّروا بعد، إذ أن اكتشاف الأكاذيب لن يجعل الناس بالضرورة تسير في طريق التفكير العقلاني والمنفتح، فإنه من المنطقي أن النظام الجديد سيهرع لإسعاف الثلة المفكّرة والدفع بها لتنوير الناس وقطع الطريق أمام التيارات الدينية للعودة من جديد.  

لكن هل سيترك التيار الديني، الذي هو ألف لون وشكل، لأولئك المفكرين ليقضوا على الفكرة التي تعطي الشرعية لوجوده؟ أم سيضيق النظام الجديد الخناق على هذا التيار من خلال الاستبداد والقمع؟  

في الدول التي لا تزال في البرّ غير الديمقراطي، ربما يكون الحل في اشتغال مثقفيها على التنوير، حتى لو استغرق الأمر عقوداً من الزمن، بدلاً من تبديد الوقت والجهد بالحديث عن ديمقراطية سريعة، لم تجلب للدول التي احتكمت للصناديق، لا ديمقراطية ولا تنويراً.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01