search
إصدارات
ارتباطات
بين المثالية والواقعية
21/6/2012

لو عثرت الشرطة على قنبلة في دورة المياه داخل "مول" تجاري، ولم تتوصل إلى الفاعل، فليست هناك كاميرات، ولا شهود، ولا بصمات، ولا أي دليل مادي يوقع بالفاعل، فكيف يمكن أن تتصرف الشرطة:

هل تُبطل مفعول القنبلة ثم تعتذر لزوّار "المول" الذين تم احتجازهم فيه لساعة من الزمن، وبالطبع سيتم الاعتذار حتى للفاعل، ثم تفتح الأبواب أمامهم ليعودوا إلى بيوتهم كأن شيئاً لم يحدث؟ أم تأخذ كل شخص دخل دورة المياه، وربما كانوا عشرة أشخاص، فإن لم يسفر التحقيق عن أية نتيجة، ولم يعثروا بتفتيش منازلهم على أي خيط، تُمارس عليهم أساليب غير قانونية لانتزاع اعتراف أحدهم؟

إن تُركوا هكذا، فلربما يكرر الفاعل فعلته وينجح في المرة الثانية في تفجير "المول" ويتسبب في إزهاق أرواح الآلاف. وإن أخذوا للتحقيق، ومُورست عليهم الأساليب الملتوية، فلربما ينهار الفاعل ويعترف ويمضي بقية حياته خلف القضبان.

بعض الناس سيختارون الطريقة الثانية، ولتساء معاملة أي شخص ما دام الهدف إنقاذ الأرواح. وبعض الناس سيختارون الطريقة الأولى، وليحصل ما يحصل، فالقانون في نظرهم أولى بالاتباع، ولا يمكن القبول بانتهاك حقوق أي إنسان بأي حال من الأحوال. 

ولنفترض أن قاضياً تورّط في جريمة رشوة، فما الذي يجب أن تفعله الهيئة القضائية حياله؟ هل يعامل كمجرم ويحال إلى المحاكمة ويدخل السجن، أم يطلب منه في هدوء تقديم استقالته ويُلملم الموضوع؟

بعض الناس سيختارون الطريقة الثانية، فالقانون فوق الجميع، وغير مقبول في نظرهم أن يتغاضى حماة القانون عن تطبيقه لأن منتهكه هذه المرة زميل لهم، كما لا يمكن أن تتحلى الهيئة القضائية بالعدل والنزاهة إن لم يعاقب القاضي حاله حال بقية الأفراد.

وبعض الناس سيختارون الطريقة الأولى، إذ أن محاكمة قاض بجريمة تمسّ شرفه وأمانته، ستفتح الباب لكل أطراف الدعاوى التي تصدى لنظرها هذا القاضي ليبدأوا في المطالبة بإعادة نظر دعاواهم، خصوصاً الأطراف الخاسرة. وهذا سيؤدي إلى زعزعة الثقة بالقضاء، وإلى عدم استقرار المراكز القانونية، وربما إلى لجوء بعض الأشخاص إلى أخذ حقوقهم بأيديهم وتحول المجتمع إلى غابة، فالقضاء يبقى في النهاية خط الدفاع الأخير لأي مجتمع.

ويمكن القول إن وجهات النظر الأربع كلها صحيحة، وكل وجهة نظر لها منطقها وحججها، ومثل هذين المثالين هناك عشرات الأمثلة في مختلف مناحي الحياة، ودائماً يؤدي الالتزام الصارم بالقوانين إلى مشكلات أكبر، وفي الوقت نفسه، يؤدي الالتفاف على القوانين إلى مشكلات أكبر.

ويحتاج أي مجتمع إلى أشخاص مثاليين لا يساومون مهما كانت النتائج، وإلى أشخاص واقعيين يقدرون الأمور حق قدرها، لتستقيم الأمور ولا تفلت بوصلة المجتمع فيصبح مثالياً ويتكبد كلفة باهظة، أو يصبح واقعياً أكثر من اللازم فيغض الطرف عن التجاوزات، إذ يصعب مواجهة بعض التحديات بالأساليب العادية، لكن من الضروري أن يكون هناك أشخاص يطالبون بأن تتم الأمور كلها في وضح النهار، إذ عدم وجود هؤلاء الأشخاص سيغري بالتمادي واللجوء لتلك الأساليب في كل مرة، لتصبح هي نفسها التحدي الأكبر. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01