search
إصدارات
ارتباطات
كل شيء حدث في عقلي
7/7/2012

يروى أن سرحان بشارة سرحان الذي اغتال روبرت كينيدي قال في المحكمة عندما سُئل عن الجريمة: كل شيء كان في عقلي، ولكن عندما تصرف جسدي لا أدري ماذا حدث، لقد كان جسدي أكثر ذكاء من عقلي، فسُئل: وماذا فعل جسدك؟ قال: لقد ضغط على ذلك الزناد.

كنت أقود سيارتي في طريق عابر للحدود حين تذكرت فجأة جملة كنت قد قرأتها قبل سنوات في كتاب لا أذكره، كانت الجملة سؤالاً فلسفياً: لماذا أفعل أي شيء؟ بدأ عقلي يفكر ويبحث عن إجابة معقولة، وبقيت نحو ساعة أفكر في طريق الخروج من لعبة المتاهات هذه ولم أصل إلى المنفذ.

فعلاً: لماذا أفعل أي شيء؟ لماذا أسافر إذا كنت سأعود؟ لماذا أكتب إذا كنت سأموت؟ لماذا آكل إذا كنت سأجوع؟ لماذا أنجب أطفالاً إذا كنت سأتركهم يوماً؟ لماذا أتكلم إذا كنت سأصمت؟ لماذا أفتح الباب إذا كان سيُغلق؟ لماذا أبني بيتاً إذا كان سيهدم؟ لماذا أعمل إذا كنت سأتقاعد؟ لماذا أتلذذ بأي شيء إذا كانت ستنتهي؟ لماذا أفعل أي شيء إذا لم يكن هناك أي شيء؟

ساعة من مخاض التفكير وُلدت بعدها شخصاً آخر، أفكّر بشكل لا معنى له وأنا أقطع ذلك الطريق الطويل، والجبال عن يميني وشمالي وليس أمامي سوى القار الأسود والخطوط البيضاء المتقطعة.

تذكّرت أنني لم أشغل الراديو، وبقيت أبحث في المحطات لعل عقلي يتوقف عن التفكير في "لماذا؟"، لكن بلا جدوى، وفكرّت في العودة إلى البيت، فما فائدة السفر لرؤية صديق إذا كنا، أنا وصديقي وأنت، سنموت؟ خففت السرعة وانحرفت قليلاً إلى كتف الطريق وقد اتخذت قراراً بالانعطاف والعودة من حيث أتيت، لكنني فكرت بشكل مضاد: وما فائدة العودة إلى البيت؟

أخذت دموعي تتجمع في عيني، وشعرت بأنني مسحوق تحت جبل من اليأس، وبدأ عقلي يؤلمني، ليس صداعاً في الرأس وإنما ألم في العقل، هل يمكن تصوّر ذلك؟ لم أعرف عذاب الروح إلا في تلك اللحظة، فأنا لا أعرف ماذا يجب أن أفعل، وكلما بدأت أسير في طريق الشيء الذي يجب أن أفعله، اعترضني حاجز السؤال الأول: لماذا أفعل أي شيء؟

الآن، وقت كتابة هذا المقال، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على ذلك اليوم، أشعر بألم في رأسي لمجرد تذكّر ما حصل.

ومثل سرحان سرحان، كان كل شيء في عقلي، أعني لم يحدث أي شيء خارج رأسي، فلم أخسر وظيفتي مثلاً، ولم أفقد أحداً من أهلي، ولم يحدث لي أي مكروه بأي شكل من الأشكال، لكنني لم أعد أشعر بطعم أي شيء بسبب شيء حدث في عقلي.  

توكلت على الله وواصلت طريقي إلى مزرعة صديقي في دولة مجاورة، وكان يفترض أن تكون سعادتي كبيرة، فأنا في جو احتفالي لا يتكرر كثيراً، إذ أجلس مع أعز أصدقائي وأمامنا البحر بمياهه الزرقاء ممتد إلى حافة الأفق، والأمواج تداعب قوائم كراسينا وتلامس أقدامنا، وفوق رؤوسنا تحلق طيور النورس، ومن حولنا أشجار النخيل والمانغو، وخلفنا سلاسل من الجبال.

لم يكن ينقصني في تلك اللحظة أي شيء، ولم يكن هناك أي شيء ينغص علي، لا شيء مطلقاً، حتى النصائح بتخفيف الوزن التي كنت أسمعها من صديقي كلما زرته لم أعد أسمعها، بقي شيء واحد جعلني أشعر بتعاسة لم أشعر بها حتى في أيام امتحانات الثانوية العامة، ذلك السؤال الذي كان لا يزال يعربد بجنون في عقلي.

بقيت أياماً أفعل ما كنت أفعله قبل أن أبتلي بذلك السؤال، أعني أفعل كل شيء بشكل آلي، حتى تقبيل أطفالي أصبح جزءاً من الخطة، لماذا أقبّلهم إذا كانت القبلة ستنتهي؟ أعني أنني لن أظل أقبّلهم 24 ساعة إلى آخر لحظة من عمري.

وللدقة، بقيت أفعل الأشياء التي لها علاقة بالآخرين، كأن أعود إلى البيت لأن زوجتي تنتظرني، كأن أذهب إلى العمل لأن هناك عملاً ينتظرني، كأن أكتب مقالاً لأن المحرر سيتصل بي يسألني، كأن أذهب لأزور أهلي لأنهم أهلي، أما الأشياء التي تخصني وحدي، فلم أعد أفعلها ما أمكن ذلك.

استحوذت عليّ تلك الفكرة وأصبح كل شيء بلا معنى، لدرجة أنني لم أذهب إلى محل الحلاقة، ولم أغسل سيارتي، وكنت أفكّر في الامتناع عن تنظيف أسناني، فما دمت سأموت ويتعفن جسدي، فلم أهذّب لحيتي، ولم تكون سيارتي نظيفة، ولم لا تنبعث الروائح المقرفة من فمي؟

بكيت كثيراً وأنا أرفع طرفي إلى السماء، ما الذي حدث يا إلهي؟ هل هو الشيطان اللعين؟ هل هي بداية الجنون؟ هل أعاني مرضاً نفسياً؟ هل أقف الآن على حافة الانهيار أو الانتحار؟ هل كنت أعيش في مسلسل السعادة ووصلت إلى الحلقة الأخيرة منه؟ ماذا أفعل كي لا أفكّر في ذلك السؤال؟

فجأة خطر ببالي سؤال التف كثعبان حول عنق ذلك السؤال السخيف: وهو: وماذا سأفعل إن لم أفعل أي شيء؟

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01