search
إصدارات
ارتباطات
هوانا يحدد من نحن
7/7/2012

أصبح الزعيم النازي أدولف هتلر مجرد رفات، لم تتبق من جثته عظمة واحدة، والأيديولوجية النازية ليست موجودة الآن إلا في رؤوس بعض الجماعات اليمينية التي لا تأثير لها. ويمكن القول إن هتلر بجميع أبعاده انتهى من هذا العالم، ومع هذا، فإنني كشخص، قد أحب هتلر أو أحترمه، وأرى أن ما فعله كان رائعاً، وكان يجب أن يفعله، وأكون بذلك نازي الهوى شئت أم أبيت.

أنا كشخص لم أكن مولوداً حين توفي هتلر، ولم أدعمه بأي شكل من الأشكال، فلم أكن جندياً في جيشه، ولم أكن أصفق وأنا أضع أذني أمام المذياع أستمع لأخبار الحرب والزحف الهتلري على أوروبا، وربما لا أحد في العالم يعرف الآن أنني أحب هتلر أو أحترمه، لكنني مع هذا، أكون نازي الهوى، شئت أم أبيت.

وحين أكون نازي الهوى فإنني بشكل تلقائي أقبل القيم التي تمثلها النازية، فأنا أقبل العنصرية، والتشدد ضد الأعراق الأخرى، وعلو جنس على جنس آخر، وأؤمن بقمع وإبادة الأعراق "الدنيا"، والمحافظة على طُهر الأعراق "العليا".

هذه هي الأيديولوجية النازية. وواحدة من أوراق الحرب العالمية الثانية توضح هذه الأيديولوجية، إذ قتل 20 مليون مدني إثر الغزو النازي للاتحاد السوفييتي، وكان الكثير منهم يُحرق أو يُقتل بدم بارد على أيدي الجنود الألمان، باعتبارهم نصف آدميين.

بالطبع، أنا كشخص، لنفترض أنني أنتمي إلى العرق "سين"، أرتدي النظارة النازية، لكن بعدسات تمثلني شخصياً، فأنا أقبل العنصرية ضد العرق "صاد"، ومتشدد ضد العرق "دال"، وأعتقد بأن جنسي "السيني" أعلى من الجنس "الواوي"، ولا أرى بأساً في قمع الأعراق الدنيا بالنسبة لطهر عرقي وتفوّقه، بل إنني مؤمن بأن الجنس الآري الذي ينتمي إليه هتلر، هو جنس أدنى من جنسي، فأنا هتلر "سيني"، وليس هتلر نفسه الذي كان يقود ألمانيا النازية.

ومن الصعب على الإنسان أن يفصل بين القيم التي يؤمن بها وبين واقعه على الأرض، وقد يسهل هذا في القيم الجميلة التي يؤمن بها الفرد لكنه لا يتمثلها في حياته، هو مجرد محب للقيم الجميلة، كالبخيل الذي يحب الكرم كقيمة جميلة ويكره البخل كقيمة قبيحة.

بينما الوضع مختلف في القيم السيئة، فهي مثل الأمراض، ولا يمكن أن يكون شخصاً مصاباً بالسلّ، ويكون في الوقت نفسه يتنفس ويمارس حياته مثل غير المصاب بهذا الداء. بل ما معنى أن يعتقد شخص بقيم سيئة إن كان لا يطبقها في حياته، بل يمارس القيم الجميلة؟

لكن يبقى هناك اختلاف في درجة مطابقة القيم السيئة بالأقوال والأفعال، فأدنى درجات العنصرية مثلاً أن لا يفسح العنصري الطريق لسائق لا ينتمي إلى عرقه، وأقصى درجاتها هو إنهاء حياته.

إن مسألة من نحبه ومن نكرهه، ومن نحترمه، ومن نشمئز منه، ومن ندافع عنه ومن نقف ضده، هي مسألة من نكون نحن، وما هي قيمنا.

إنها مسألة تتعلق أيضاً بتساؤلات منها: كيف نفكر؟ وماذا يمكن أن نفعل حين تكون الظروف مناسبة لتفعيل قيمنا التي لا يمكن أن نفصلها عن الأشخاص الذي مثّلوا تلك القيم أو تجلّت فيهم؟

لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها، وبوسع المرء أن يحب غاندي ويكره هتلر، ولا أحد يطالبه بأن يظهر حبه لهابيل أو يعلن كرهه لقابيل، يكفي أن يكون حبه أو كرهه مستتراً في ضميره.

والمجتمعات التي يغلب فيها أصحاب الضمائر الحية لا يمكن أن تفشل وتسقط، والعكس صحيح.

 

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01