search
إصدارات
ارتباطات
ما فائدة حياة الألياف؟
14/7/2012

 

أعتقد أنني أفضل شخص في العالم يستطيع إقناع الآخرين بضرورة الإكثار من الطعام، والتوقف عن ممارسة الرياضة، حتى لو كانت لعبة شطرنج، بدليل أنني شخصياً اقتنعتُ بما أقول.

ولا يمكن أن يشجع شخص الآخرين على التهام الأكل الدسم والتزام الخمول الدائم وهو غير مقتنع في قرارة نفسه بما يقول، لكنني ببساطة، مقتنع.

وأعرف أن بعض أصحاب القوام الرشيق يقول في نفسه الآن: يتذاكى على نفسه، ويناور أمام إرادته الضعيفة، ويبرر استسلامه لمصيره، ويحاول التهرب من حقيقة أنه شخص عاجز أمام الطعام، فاقد لروح المبادرة إلى الرياضة.

لكن مهلاً يا سيد رشيق، لماذا تفترض أنك "صح" والسادة البدناء على خطأ؟ صدقني هناك لبس حصل منذ البداية في هذا الموضوع، وأعتقد أن أول شخص في التاريخ تحدث في الأجسام، كان جسمه رشيقاً، لأنه لم يكن يملك الكثير من المال ليتفنن في شراء الطعام، فكان من الطبيعي أن يمتدح جماعته ويذم البدناء، هكذا، ببساطة.

ولنفترض أن شخصاً لطمك على وجهك في الشارع، ولم يكن هناك شهود، فاتجهت إلى مركز الشرطة للإبلاغ عنه، لكن كانت سيارته أسرع ووصل قبلك وهو الذي أبلغ عنك، فهل تعرف من الذي سيكون الجاني ومن المجني عليه؟ ستكون أنت المتهم، لأن صاحبك ببساطة وصل قبلك. هكذا تجري بقية أمور الحياة، "من سبق لبق" كما يقولون.

ويجب أن تعلم أن هناك فرقاً كبيراً بين من يأكل كثيراً ولا يمارس الرياضة لأنه ضعيف على الموائد وخامل في ميادين النشاط، وبين من يفعل ذلك عن حب ورغبة واقتناع، كأن يرمي شخص نفسه من أعلى البرج لأنه فقد الرغبة في الحياة، أو أن يمارس السقوط من البرج لأنه مقتنع بأن ارتطام جسده بالأرض وتهشّم عظامه أمر رائع.

وكلما طبخت زوجتي أكل المستشفيات، سألتها وأنا أبحث في أدراج المطبخ عن المنشورات الدعائية الخاصة بمطاعم التوصيل: وكم سنة ستضيفين إلى عمري بهذا الأكل؟ خمساً؟ ستاً؟ لا أريد أن أحياها.

ولنفترض أن عمري بالأكل السخيف سيمتد إلى سن الستين مثلاً، وبالأكل الدسم اللذيذ سيتوقف على عتبة الخمسين، فأي الخيارين أفضل: أن أعيش ستين سنة آكل الألياف والعلف والشوفان والخبز الأسمر والشوربة التي لا تختلف عن المياه المعدنية سوى أنها ساخنة، ثم أموت والحسرة تملأ بطني، خصوصاً أنني قد أذهب إلى الجحيم بسبب جحود نعمة العلف والألياف، وبسبب عدم حمد الله بعد تناول أشياء لا طعم لها، أم أعيش خمسين سنة متمرغاً في الدهن والأرز واللحوم والدواجن ثم أموت مرتاح البال لأنني قدّرت النعمة، وحدّثت بها، وشكرت ربي بعد كل وجبة، ثم أتجه مباشرة من الدنيا إلى مزرعة الآخرة، حيث الطير المشوي، وأنهار الخمر واللبن، والحور العين يا زوجتي؟

أنتِ تطعمينني هذا الأكل الذي هو في الحقيقة مواد غذائية أولية لم تتشكّل بعد على هيئة أكل، لأبقى إلى جانبك أبد الدهر، وهذه أنانية، وما تفعلينه من أجلي الذي هو من أجلك لا يختلف أبداً عن ممارسات الشركات التي ترعى عارضات الأزياء، إذ يُمنع عليهن الأكل مثل الناس حتى يمكن وضعهن في الأثواب، فالشركة لا تبالي إلا بالثوب، ولأن الثوب لا يمكن أن يتحرك من تلقاء نفسه ويستعرض تفاصيل لمحاته الجمالية على المنصة هكذا، فإنه يتم حشو الثوب بشيء قادر على الاستعراض. أنتِ يا من تحبينني كثيراً، تفعلين الأمر نفسه، تحشينني بالأعلاف لأبقى حياً من أجلك. 

حين لا أبالي بالسنوات الإضافية، المفترضة عموماً، فقد أبقى آكل مثل المرضى والمعتوهين ثم أموت في حادث سيارة، وستكون أولى حسراتي: لماذا لم آكل ما لذ وطاب ما دمت قد خرجت من الحياة لسبب لا علاقة له بالهمجية؟ وحين لا أهتم برأي الآخرين في تضاريسي، ولا أعتبر نفسي معنياً بأي إنسان في حال كان جسمي يعني له شيئاً، ولو حصل أن وقف شخص أمامي، رجل أو امرأة، وقال: يا أخي أنت سمين، فإنني سأمضي في طريقي في الناحية التي كان يقف بها قبل أن يتفوّه بتلك الجملة السخيفة، وسأصطدم به وأوقعه أرضاً، فإذا غضب مني، فإنني سأقول له: لقد حذفتك من الحياة التي أعيشها، أنت فراغ والحكومة لم تمنع المشي في الأماكن المفتوحة.

وحين يكون رأي الناس مهماً لديّ في تعاملي معهم، وفي أخلاقي، وفيما أكتب، وفي العمل الذي أؤديه، وفي الخدمة المطلوبة مني تجاه مجتمعي، وفي تربيتي لأولادي، وحين أكون مقتنعاً بكل ما قلته آنفاً، فإنني سأظل آكل الوجبات الدسمة بتوحش، ويزداد وزني بلا تردد، ولن أحرّك أي جزء في جسمي بنيّة رياضة، وباختصار: "كيفي"، كما يقول المراهق الأحمق عند سماعه توجيهات الكبار بالكفّ عن التصرّف كالمراهق.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01