search
إصدارات
ارتباطات
شاحنة كولا من السماء
1/9/2012

 

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي حدث شيء لا يمكن أن يحدث إلا في أفلام هوليوود، فقد كانت هناك شاحنة تسير على الشارع المواجه لمنزلنا محمّلة بصناديق من مشروب الكولا، ويبدو أن سائقها فوجئ بالدوّار أمامه ولم يستطع تخفيف سرعته فانحرف بشاحنته وانقلبت في وسط الشارع.

وتجمّع أصحاب الدكاكين وأولاد الفريج والمارة لمشاهدة هذا الحادث الذي لن يحظ المرء برؤيته إلا مرة واحدة طوال حياته. وانبطحت مع المنبطحين على الإسفلت لنرى غدران الكولا وهي تنطلق من الحاوية إلى الشارع، ونسمع أصوات انفجار العلب.

وحضر رجال الشرطة وأخذوا يفرغون الحاوية بينما سائق الشاحنة يفترش التراب وقد أنجاه الله الموت لكنه استسلم لليأس، ربما لأنه سيفقد وظيفته. ولم يبق آدمي أعرفه إلا وجدته يحمل الكراتين على ظهره ويخرج بها وهو يضحك من منظر قدميه الغارقتين في الكولا.

ولأن منزلنا كان قريباً، فقد استعنا بكل العربات الموجودة. أخي يناول أخي الآخر الصندوق من داخل الحاوية، فيضعها في العربة، فأنطلق بها إلى فناء البيت.

خلال ساعة أفرغنا الحاوية، وشيّدنا بناءً من الكولا في فناء منزلنا، خصوصاً أننا كنا خبراء في مناولة الكراتين ورصّها بعضها فوق بعض، فقد سبق لأبي أن استخدم الفناء لتخزين كراتين الأحذية التي كان يستوردها من الصين وتايوان ويبيعها في محاله، ومع كل دفعة كنا نطلب من أخواتنا أن ينقلن مجريات الأحداث بدقة لوالدنا، وأن يشهدن بأن رجال الشرطة هم الذين طلبوا منا "التصرّف" بالصناديق.

وبقينا طوال الوقت نتخيّل السيناريوهات ونحن نتمشى بين أكوام صناديق الكولا منتظرين عودة أبي من عمله، وكنت فرحاً إلى درجة لا يمكن أن أصفها الآن، لكنني أذكر أنني كنت أتحسس الصناديق بيدي وأضمها إلى صدري كما يحضن الصغير أمه، لكن لم نجرؤ على وضع علبة واحدة في الثلاجة لتبرد، وقررت وأنا ألعق يديَّ المتسختين بالكولا أن أخطط لمستقبلي بنفسي إن مسّوا الصناديق بسوء، وهذا ما حدث، فقد وصف أبي فعلتنا بأنها لا تصدر إلا من الغوغاء والهمجيين، وأمرنا بأخذ الصناديق كلها إلى رصيف الشارع، وتركها هناك، للفراغ. 

كنت أشعر بخيبة أمل لا توصف، وأبكي وأنا أدفع العربة في الرمال وسط الظلام وفي فمي طعم الدموع والعرق والكولا، وأخ لي يفكر بصوت مسموع: وهل الشرطة غوغائيون أيضاً؟ وهل مساعدة سائق الشاحنة تعد أمراً همجياً؟ لماذا نُحرم من مدّ يد العون للمحتاجين؟ وهل إماطة الكولا عن الطريق العام تتعارض مع مبادئ الإسلام؟ وكيف كان سيتمكن أهل الفريج من السير بسياراتهم في الشارع لو لم ترفع الشرطة الحاوية بفضل جهودنا في تفريغها؟

وهل كل أبناء الفريج وأسرهم مخطئون أيضاً؟ ألا يعتبر هذا الفعل تبذيراً في آخر الأمر؟ ألن نشتري هذه العلب اللعينة بفلوسنا سواء انقلبت الشاحنة أم لم تنقلب، فلم نشتريها إن كنا قد حصلنا على كمية منها تكفينا طوال حياتنا؟ عجيب ما يحدث في هذا البيت: يحرموننا من السرقة ويحرموننا أيضاً من عدم السرقة!

وكنا كلما وضعنا صندوقاً في الشارع، مزّقنا الكيس النايلوني الذي يغطيه وأخذ كل واحد منا علبة وتناول جرعة واحدة منها ثم ألقاها على الأرض بحسرة. ومع الصناديق الأخيرة لم نعد نبالي برصّها بشكل مرتب، وإنما ندفع العربة المحمّلة بالصناديق لتصطدم بكومة الكراتين وتتبعثر العلب منها وتنفجر.

وربما ما عادت لعلب المشروبات الغازية في هذه الأيام المكانة التي كانت تحتلها في قلوب الأولاد قبل عشرين سنة، إذ لم يكن أحد في زماننا يتفوّه بكلمة سوء عن تلك المشروبات، ولا أحد يثير موضوع الأضرار التي تسبّبها، ولم تكن متوافرة في كل مكان وفي كل لحظة، وكنا نحن أصلاً في أغلب الوقت نلعب خارج منازلنا، في الحر الشديد، والرطوبة المرتفعة، وكانت تلك العلب فعلاً تُطفئ العطش وتنعش الفؤاد.

ولم تكن هناك أنواع كثيرة منها، ولم تكن رخيصة تباع بأبخس الأثمان قياساً إلى دخل الأسر، فقد كانت العلبة تباع بدرهم واحد بينما راتب الشخص العادي لا يتعدى الخمسة أو الستة آلاف درهم، وهي لا تزال تباع بالسعر نفسه بينما الرواتب قفزت إلى العشرين والثلاثين.

بقيت أسأل نفسي في تلك الليلة التاريخية: ألا يعلمون أن زجاجات المشروبات الغازية بالنسبة إلي هي كؤوسٌ من معين؟ ألا يعلمون أنني أشتري سندويتش الفلافل في المدرسة بدرهم وأدّخر الدرهم الآخر للمساء لشراء لبن مثلّج مع شيبس، وأنني أسلّك قطع الفلافل إلى مريئي بخلطة مميتة من المشروبات الغازية، فآخذ زجاجة نصف ممتلئة يكون قد تركها أحد أبناء الذوات، وأضيف إليها قطرة من هنا وقطرات من هناك كأنني عالِم في مختبر، فتصير زجاجة كاملة لذيذة الطعم؟

ولم أستطع أن أغمض عيني في تلك الليلة، وبقي بصري شاخصاً في السقف، فكيف أنام هانئ البال وعلى بُعد أمتار مني آلاف علب الكولا الملقاة على الأرض بلا راعٍ، ولا داعٍ أصلاً؟

 

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01