search
إصدارات
ارتباطات
اختلفت الظروف والراية واحدة
30/8/2012

بمجرد رفع جماعة ما راية الإسلام أو الخلافة أو تطبيق الشريعة في مجتمعات تفكّر بعقلية القرون الوسطى، فإنها تقطع تلقائياً نصف الطريق نحو السُلطة، ثم تأتي ظروف معينة لتكون بمنزلة العربة الأخيرة في قطار الوصول.

ويجانب الصواب من يعتقد أن الإسلاميين يتسلقون السُلطة عبر سلالم أخطاء غيرهم، والأقرب إلى الواقع أن صعودهم يكون نتيجة استغلال الدين، سواء كان النظام الذي سبقهم غارقاً في الأخطاء، أو لم يكن كذلك.

وإلا، كيف يمكن تفسير صعود الإسلاميين على حطام أنظمة لم تكن أخطاؤها متشابهة؟ وكيف استطاعوا إقناع الناس في أكثر من بلد عربي بانتخابهم، على رغم أن هؤلاء الناس لم يهتفوا بشعارات واحدة ولم تكن مطالبهم واحدة؟ وكيف فعلوا ذلك مع "الربيع العربي" وقبله بعقود؟

سيذهب غداً بشار وسيحلّ محلّه في الغالب "الإخوان"، وتنحى مبارك فوصلت "الجماعة"، ورحل بن علي فجاء حزب "النهضة"، وأطيح بصدام فانتخبت الأكثرية واحداً من "حزب الدعوة الإسلامية"، وأقيمت انتخابات تشريعية في فلسطين سنة 2005 فحققت "حماس" الأغلبية، و"حزب الله" لا يسيطر على لبنان بالسلاح وحده، فنصف الأصوات كانت لصالح تحالفه، واستطاعت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" الفوز في الانتخابات الجزائرية سنة 1992 التي ألغيت لاحقاً، وأطاح الثنائي الإسلامي الترابي والبشير، بالصادق المهدي المنتخب ديمقراطياً، وفي الصومال، وعلى رغم حالة المد والجزر، فإن مواقع الإسلاميين ثاتبة.

ولم يختلف الوضع في الدول العربية "الهادئة"، فالحركات الإسلامية في المغرب والأردن والبحرين والكويت لديها حضور قوي ودائم في البرلمانات المنتخبة. والاستثناء كان في ليبيا، بفوز تحالف ليبرالي في الانتخابات الأخيرة، ولا أحد يعلم إلى متى يمكن أن تبقى ليبيا استثناء، خصوصاً أن "الإخوان" هناك حلّوا ثانياً ولم يخرجوا من اللعبة. أما في اليمن، فلم تحدث فيه انتخابات بعد رحيل صالح، وإنما تمّت لمْلمة الثورة بتعيين نائبه رئيساً إلى حين.

ولن يستطيع المرء، حتى لو جلس يفكّر ألف سنة، إيجاد رابط من الخطأ المشترك بين جميع تلك الأنظمة البائدة، أو العثور على أوضاع متشابهة في كل تلك الدول التي صعد فيها الإسلاميون، ولكن يمكن بالعين المجردة رؤية راية الدين المرفوعة في كل مكان.

والنقطة الغائبة عن الذين يعتقدون أنه لولا الأخطاء لما وصل الإسلاميون إلى السلطة، هي أنه ما من نظام في العالم خالٍ من الأخطاء، وكل أنظمة الحكم لديها أخطاؤها، ويبقى الفارق في درجة الأخطاء. ويدرك الإسلاميون هذه الحقيقة ويتعاملون معها بمكر ودهاء. وعلى قدر الخطأ، ونوعه، ومجاله، يستخدمون الآيات والأحاديث والفتاوى، ويعرضون الحلول السريعة والوهمية.

ولن تكفّ هذه الجماعات عن التدخّل في السياسة والسعي نحو السُلطة إلا إذا تمكنت السُلطة القائمة من تحويل النظام إلى نظام مثالي وحقّق حلم المدينة الفاضلة، وهذا بالطبع مستحيل. بل إن التاريخ يقول لنا إنه حتى في ظلّ الخلافة الراشدة، وهي الغاية الكبرى التي تدغدغ الجماعات الإسلامية مشاعر الناس بها، كانت هناك جماعات تناوئ الخلفاء الراشدين، والمبشّرين بالجنة، باسم الدين نفسه.

وحين لم يجد الخوارج، وكانوا يعتقدون في أنفسهم بأنهم أهل الحق وينفذون حكم الله، عذراً للخروج على حكومة علي بن أبي طالب، قالوا: الحكم لله لا لك يا علي.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01