search
إصدارات
ارتباطات
الله يحب والشيطان يراقب
17/9/2012

دخلت بمحض المصادفة في حوار إلكتروني في قضية سياسية مع شخص لا أعرفه، وطال الحديث وتشعّب بطريقة لم أعهدها في نفسي، إذ يمكنني أن أردّ على ألف رسالة إلكترونية في يوم واحد، لكنني لا أطيق الحوار الإلكتروني المباشر لدقائق.

وفي إحدى منعطفات الحوار ذكرت اسم الله وتخيّلت يوم القيامة، فكانت المفاجأة أن محاوري قال لي بأنه ملحد منذ سنوات.

لا حول ولا قوة إلا بالله، ما هذه الورطة التي وقعت بها؟ هكذا قلت في نفسي، وفي الوقت نفسه شعرت بالأسى على حال صاحبي، وأخذت دموعي تجري على خدي وأنا أفكّر في حُب الله لي، إذ وفّقني للإيمان به.

وأخبرني ذلك الشخص بأنه يشعر بالتوهان والتخبّط وهو يقارن بين أدلة الأديان والمذاهب. فطلبت منه ألا يغتر بعقله أبداً، وأن يفرّغه للحساب والكتاب والشيكات وبقية متطلبات الحياة، وأن يستمع إلى صوت قلبه عندما يبدأ التفكير في وجود الله. وأخذتُ أصف له مشاعري تجاه الله، وجانباً من الأحاسيس التي غمرتني في علاقتي به سبحانه، وهي أحاسيس أجزم يقيناً بأنها صادقة ولا يمكن أن تكون خدعة أخدع بها نفسي.

انقضت ساعات وأنا أكتب بشكل صادق وحقيقي ودموعي تسيل على خدي، ومع كل عبارة أكتبها يقول لي ذلك الشخص بأن ما يحدث ليس مصادفة: لا يمكن أن أقرأ لك مصادفة، ولا يمكن أن أتعرف عليك مصادفة، ولا يمكن أن يكون ذكر الله بيننا جرى مصادفة، ولا يمكن أن تبوح لي بهذه الأحاسيس مصادفة، ولا يمكن أن أتساءل الآن مصادفة.

وفي المقابل، أخذت أردد بأن الله لم يتخلى عنك، وهو يحبك، وهو يطلبك، وهو الرحيم بعباده يهيئ لنا الأسباب للعودة إليه إلى آخر نَفس من أنفاسنا، فما خَلَقنا إلا لأنه يحبنا، كما يقول محيي الدين بن عربي.

شعر كلانا بتغير كبير في حياته، هو شعر بهدوء في عقله واطمئنان في قلبه، وأنا ازددتُ يقيناً، وأصبحت على ثقة بأن الله المحب لا يترك عباده ليتلاعب بهم عدوّه، وكتبت في نهاية الحوار بأن الله ربما أراد أن يوصل إليك رسالة مفادها: أنا أحبك ولن أتخلى عنك.

ركبت سيارتي لأمضي إلى زيارة والداي بعد ساعات من الحوار مع ذلك الشخص في المقهى حيث أكتب غالباً، وتذكّرت العبارة الأخيرة وصرخت من هول ما خطر ببالي: قد تكون رسالة موجّهة من الحق سبحانه إلى ذلك الشخص، ويبدو أنني كنتُ الشخص الذي حمل هذه الرسالة.

وللمرة الأولى في حياتي أعجز عن البكاء، فكان الصراخ وحده يستطيع التعبير عن خواطري، كانت نفسي تصرخ وشعرت بأنني أفقد التركيز في القيادة: يا الله، هل يستحق عبد آبق مثلي أن تنظر إليه بعين العطف وتتفضّل على وجوده بأن يوصل رسالتك؟ يا الله، كم تحبني لتمنحني هذا الفضل العظيم؟ يا الله، كيف أشكرك وأنا عاجز عن تصوّر عظمة ما منحته إياي؟ يا الله، هل يليق بي أن أصرخ في حضرتك؟

ومع هذا، فقد كنت مرعوباً من هذه الفكرة، فكرة أن الله يراني، فما نظر إليّ إلا لأنه رآني، وما دام رآني فهو قد رأى كل القبائح التي فعلتها طوال حياتي. وللمرة الأولى أشعر بمعنى أن الله يرانا. كنت قبل هذا اليوم على يقين بأن الله يرانا، لكن هذه المرة شعرت بأن الله يراني. كنت أرى بعين العقل أن الله يراني، وهذه أول مرة أرى بعين القلب أن الله يراني.

أكثر من نصف ساعة كنت أصرخ فيها بلا توقف، ولولا أن دموعي راحت هي الأخرى تخفف من المشاعر الهائجة في قلبي لانفجر في الطريق وتمزّق إرباً إرباً، كأن بحراً من الفيض سُكب في كوب ماء، وفاض الكوب صراخاً وعويلاً.

دخلت بيت والدي وأنا أترنّح من التعب، ومن الوهلة الأولى سألتني أمي: ما بك، وجهك شديد الحمرة وعيناك حمراوتان؟ وأخذت أمي تسألني في حضور عدد من أفراد أسرتي لكنني كنت عاجزاً عن الكلام، أنظر في عيني أمي وأتبسّم.

ولم تتركني أمي، فطلبت منها أن أحادثها على انفراد. وفي غرفتها جلست إلى جانبها أبكي وأخبرها بصوت متقطع ما جرى وأقول لها بأن الله يحبني، إنه يحبني، وهي تسألني: وهل لديك شكّ في أن الله يحبك؟ لا أشك يا أمي، لكنني لا أستحق هذا الحب، أنا نكرة ولا شيء، أنا أحب الله لكنني أعصيه، وهذا ليس حباً، أنا أوهم نفسي بأنني أحبه، فلو كنت أحبه لأطعته؟ كيف أستطيع أن أتحمّل حب الله لي وأنا غير جدير بهذا الحب؟ وقالت لي أمي كلاماً هدّأ من روعي.

وأخذ الشيطان يذرع حجرة الشر ذهاباً وإياباً وهو ينزف شرراً وقد أنهكه التفكير، إذ صعب عليه أن أقذف رأسه بحجر كبير كهذا: الحوار مع مشكّك بوجود الله، ينتهي باطمئنانه وازدياد يقيني. ويبدو أنه قال وهو يغمس الشوكة التي بيده في الأرض: آخر زمن، هذا النكرة يتحداني ويضربني مستعيناً بربّ العالمين.. والغريب أنه يعتقد أنه حمل رسالة السماء. ثم خنس لحظة وصاح: وجدتها، لم لا أشتغل على موضوع حمله الرسالة، سأجرّب إدخاله في وهم تصوّر نفسه ولياً من الأولياء؟ وأعتقد بأنه راجع سجلاتي وأدرك بأنني أقلُّ من أن يغويني بذلك المستوى المتطوّر من الوهم، وقرر مشاغبتي قليلاً.    

ولم يستطع الشرير الاقتراب مني في حال اليقظة، ومثل كل الجبناء، غافلني أثناء النوم وظهر لي في حلمي على هيئة أحد أقرب الناس إلى قلبي. رأيت ذلك العزيز وهو يقهقه أمامي مثل الشياطين، ويقترب مني محاولاً قتلي. وكلما حاولت شلّ حركته، انساب من بين يدي كأنني كنت أمسك بظلّه.

وللمرة الأولى في حياتي، أنهض من نومي فزعاً وأرتجف، واستيقظت زوجتي وحكيت لها ما رأيت، فأخذت تقرأ عليّ آية الكرسي وتمسح على رأسي. وفي هذا اليوم كرهت الشيطان للمرة الأولى، أعني كنت أكرهه من قبل بعقلي أو بشكل معرفي، وبعد تمثّله بأقرب المقربين إليّ، صرت أكرهه من قلبي.

لكن للأسف، ما هي إلا أيام قليلة عدتُ بعدها كما كنت، وكتب الشيطان أمام اسمي في السجل المخصص لغواية البشر: كفاني نفسه ابن آدم هذا، لكن يجب أن يُوضع تحت المراقبة سنتين إلى أن يبلغ الأربعين.


Share |
|
|
|
بو زياد
24/10/2012 11:58 PM
إن متعة القراءة لا تُشترى، لكنها تُقتنى لا سيما وأن كُتّابة أفذاذًا نُقدر رسوماتهم الكتابية، فهنيئًا لنا كوننا من جمهوركم القارئ،، لا حرمنا الله إبداعكم .
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01