search
إصدارات
ارتباطات
عبقري وبقري
15/9/2012

لجلال الدين الرومي حكاية طريفة عن ملك أودع ابنه، وكان غبياً وبليداً، لدى جماعة من أهل النجوم والفلك ليعلّموه فنهم، وفعلاً، تعلّم الأمير حتى صار أستاذاً يشار إليه بالبنان، فأراد الملك يوماً امتحانه، فدسّ خاتماً في قبضة يده وسأله عنه، فقال: الشيء الذي في قبضة يدك مدوّر، ومجوّف، ولونه أصفر. فتهلّل وجه الملك من فطنة ابنه وعبقريته وسأله: علاماتك صحيحة، فما هو هذا الشيء؟ فقال: لا بد أنه غربال. فأسف الملك على بلواه وقال: كيف توصلت إلى تلك العلامات الدقيقة للشيء الذي في قبضة يدي، وعجزت عن تصوّر أن قبضة اليد لا تتسع لغربال؟

وابن الملك هذا لم ينقرض ولله الحمد، فقد التقيت بأكثر من عبقري في تخصصه لكنه في الوقت نفسه كان بقرياً في فهم الأمور.  فنحن نعتقد أن من حصل على درجة علمية ما هو إنسان بارع في كل شيء، ويفهم سر الحياة وسببها والطريقة التي ستنتهي عليها، لكنني يوماً بعد يوم أكتشف أنه لا رابط حقيقي بين أن يحصل المرء على الدكتوراه في الذرة مثلاً وبين أن يفكر بشكل عقلاني في أتفه الأمور، وأن يصدر حكماً صائباً في طريقة إعداد كوب شاي.

وفي المقابل، نستخف بفهم الزبّال لأنه لو كان يفهم، لاجتهد في المدرسة، ولدخل الجامعة، وتخرج منها وعمل في وظيفة مريحة تدر عليها دخلاً يضمن له حياة كريمة وعيشاً رغيداً، أمَا وهو زبّال، فهذا يعني أنه لا يفهم، وطُرد من المدرسة، وبقي هائماً على وجهه سنوات إلى أن رقّ قلب مدير البلدية لحاله، وطلب منه أن يرسل له مكنسة باعتبارها تمثل سيرته الذاتية، ثم أُجري له اختبار عملي بإشراف إدارة الموارد البشرية بأن لوّثوا الممر بالأوساخ وطلبوا منه أن يكنسها خلال الوقت المحدد. 

وفي بعض الحالات تكتشف أن مؤلف كتاب "أسرار ثقب الأوزون" الأستاذ الدكتور فلان، دكتوراه في الفيزياء النووية، وماجستير في الكيمياء الحيوية، لا يستوعب حقيقة أن هناك أشخاصاً في هذا العالم يسرقون حتى لو كانوا يملكون الملايين، ويسألك وهو يقطب حاجبيه: أقنعني، ما دافع شخص يملك منتجعاً سياحياً ليمتنع عن دفع أجرة صاحب محل الأقفال الذي استطاع فتح خزنة المنتجع بعد ضياع مفتاحه؟  

وأحياناً لا تكون المشكلة في الحائز على الدكتوراه، وإنما في حصوله عليها في سن صغيرة، فيمكن لمن لم يتجاوز الثلاثين من عمره، بالمواظبة على المذاكرة وإعداد مجموعة من البحوث، أن يضع قبعة الدكتوراه على رأسه، وهو نفسه الرأس التي لا تزال تفكر بشكل صبياني، أو لنقل شبابي.

وحين يدخل الأخ الدكتور أي مكان، فإنه يكون البحر الذي تصب فيه أنهار الأسئلة، فما رأيك يا دكتور في اتفاق المصالحة الفلسطينية؟ وما تقييمك يا دكتور للضجة المثارة حول الاحتباس الحراري؟ وهل تعتقد يا دكتور بأن الأزهر الشريف سيستعيد مكانته كأحد أهم صروح الإفتاء في العالم الإسلامي؟ وهل صحيح ما يقال يا دكتور عن توصل العلماء إلى اكتشاف علاج لمرض الإيدز؟ وما رأيك بالماسونية يا دكتور؟ وهل تعتقد يا دكتور بأن المترو سيحل مشكلة الازدحام المروري؟ وما هي آخر مستجدات التربية الحديثة للأبناء يا دكتور؟

وربما كان المجال الذي تخصص فيه هذا الدكتور هو علم الفلك، ولم يقرأ في حياته أي كتاب غير مدرسي، أو جامعي، وكان نصف عمره قد ذهب في ملاحقة الفتيات، والنصف الآخر في مراقبة النجوم، حتى الصحف فإنه كان يسحب الملحق الرياضي من الجريدة الأم ويلقي بالباقي في سلة المهملات.

وبالطبع، في أغلب الحالات فإنه لن يقول: لا أعرف، ليست لديّ معلومات، لست مطلعاً، أنا "بتاع" فلك، فهو دكتور ويعرف كل شيء، وسيأخذ في إبداء الملاحظات الغنية بالذكاء وسعة المعرفة، وسيكون من الصعوبة بمكان مطالبة الدكتور بالتوقف عن إنتاج الدرر.  

ولنترك الدكاتره ليتفرّغوا لترتيب أوضاع الكون، فلربما يشم أحدهم رائحة غيرة من المقال باعتبار كاتبه حاصل على الليسانس بتقدير "مقبول" مع مرتبة "الزفت"، وبدراسة جامعية بنظام الانتساب المشكوك في كفاءته وصلاحيته لتخريج طالب جامعي مثل الناس، ولنذهب في جولة مع الذين حصلوا على قسط وافر من التعليم.

ففي نظر المجتمع، يعتبر الجامعي أكثر فهماً من الذي اكتفى بالثانوية العامة، الذي هو أكثر عبقرية من الذي توقف عند الإعدادية، الذي لا يقارن بالحاصل على شهادة السادس الابتدائي، الذي هو أفضل بكثير من الذي لم يرَ لوحة "سبورة" في حياته.

وفعلاً هذا صحيح لكن من زاوية واحدة، هي أن الذي واصل تعليمه كان يعرف كيف ينظر المجتمع إلى من لديه شهادة، بينما الذي لم يواصل غابت عنه هذه النقطة، في لحظة ما، ولا شيء آخر يميّز المتعلم من غير المتعلم في فهم الحياة، وفي الثقافة، وحتى في كمية المعلومات التي يحفظها كلاهما.

حين تمرض يجب أن تحملك رجلاك إلى عند الطبيب، وحين تواجهك عقدة قانونية اطرق باب مكتب المحامي، وحين ترغب في بناء بيت فارسم مخططاً مبدئياً وخذه إلى المهندس المعماري، لكن حين تواجهك مشكلة حياتية، أو أمر غامض في الحياة، أو دخت وأنت تفكّر في الأسئلة الكبرى، فابحث عن شخص حكيم، وقد يكون هذا الحكيم طبيباً أو مهندساً أو بائعاً في بقالة أو رجلاً يكنس الشوارع.

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01