search
إصدارات
ارتباطات
افرح يا صاحب الكورولا البيضاء!
29/9/2012

بعد منتصف الليل، وعلى شارع الوحدة بالشارقة، انحرفتُ على سيارة كانت تسير كأنها على الكورنيش.

ولم أكد أشعر بلذة الانتقام في فمي إلا ورأيت السائق الحلزوني وقد أصبح نمراً يعدو خلفي وهو يضيء مصابيح الإنارة العالية بشكل متتابع وسريع.

ولسوء حظ السائق أنه اختار مطاردتي في أكثر مراحل حياتي تهوّراً، إذ ما أن اقترب مني قبل ارتقاء جسر الملك فيصل بأمتار قليلة، حتى دعست على المكابح بقوة، فانحرف يميناً بسرعة تفادياً للاصطدام بي، وكان على وشك احتضان الكتلة الخرسانية الفاصلة بين الجسر ومعبر الخروج المحاذي له.

بلعت ريقي وزدت من سرعتي وطرت فوق الجسر ثم هربت من خلال شوارع فرعية، فلولا أن الله سلّم، وكان الشارع خالياً إلا من المجانين في تلك اللحظة، لكنتُ قد تسبّبتُ في مقتل إنسان، حتى لو كان حلزوني الطابع. وربما كنت سألقى حتفي أيضاً، حتى لو كنت حصاني الطابع.   

واليوم إذا سمع ذلك السائق الحِكم التي تقول إن الجزاء من جنس العمل، وإن الله لا يضرب بعصا، وإنه كما تدين تدان، فإنه سيتنهّد ويقول بنبرة شكّ: مرّت 18 سنة ولم أسمع بالعقاب الذي ناله سائق الجيب الشيروكي الأسود. انحرف عليّ وتوقف أمامي بشكل متعمّد معرّضاً حياتي للخطر، ومع هذا، لم يحدث له أي شيء.

لكن الذي لا تعرفه يا صاحب الكورولا البيضاء أن الأقدار لقنتني درساً مفيداً بسببك، فبعد سنة واحدة فقط من ذلك اليوم، ألغت إدارة المرور رخصة قيادتي، وبقيت سنة كاملة أذهب إلى عملي وأعود منه مرعوباً ومتخيّلاً "الكلبشات"، فالقيادة برخصة ملغاة يتساوى في نظر القانون مع قيادة مراهق سيارة والده من دون رخصة. أنت شعرت بالرعب ثوان معدودة، وأنا عشت الرعب سنة كاملة، فماذا تريد أكثر من هذا يا حلزون؟

وقبل أيام كنت أعود بسيارتي إلى الخلف أثناء خروجي من منزلي، فلمحت شيئاً خطف من ورائي كأنه شبح، ولولا توقفي المفاجئ لوقع حادث مروّع، واكتشفت أن سيارة كانت تسير بسرعة عالية في الطريق الترابي المواجه لمنزلي. وفكّرت في ملاحقته وسبّه ببضع كلمات نابية، في حال وجدته مسكيناً بالطبع، لكنني عدلتُ عن ذلك وقلت في نفسي بينما الإضاءة الحمراء للسيارة تبتعد في وسط الظلام وكومة الغبار: ستجد من يلقّنك درساً، لا أشكّ في هذه الحقيقة طرفة عين.

وكانت المفاجأة التي رأيتها بعد أن تخطيتُ الغبار، أن السيارة متوقفة وأمامها سيارة أخرى، وحين اقتربت أكثر وجدته يجلس خلف المقود يتلقى لكمات رائعة على رأسه من شاب يبدو أنه فوجئ مثلي. فوقفت لبرهة ورفعت إبهام يدي لذلك الشاب تعبيراً عن استحساني لـ"بكوسه" الجميلة، ومضيتُ في طريقي.

حين أحلّل هذين الموقفين، وفي جعبتي عشرات المواقف الثقيلة لكنني تعمّدت اختيار مواقف مرورية خفيفة، أجد أن النتيجة النهائية واحدة، وهي تلقي الجاني صفعة محترمة من يد شخص غير المجني عليه، لكن الفارق يبقى في وصول خبر الصفعة للمجني عليه من عدم وصوله.

وبالطبع، لم تشطب رخصة قيادتي من الوجود لمجرد حالة تهوّر واحدة، وإنما عدد من الحالات، وكلها وقعت على أصحاب سيارة كورولا وأخواتها، لذلك كانت العقوبة قاسية. ولا أعتقد أن رأس ذلك السائق تلقت كل تلك اللكمات من قيادة متهوّرة لمرة واحدة.

وكل إنسان توفي قبل تاريخ 20 أكتوبر من سنة 2011 ربما خطر بباله الديكتاتور غريب الأطوار معمّر القذافي، وقال في نفسه: ما بال هذا الرجل لم يسمع جواباً عن الأبواب التي طرقها، إنني أخرج من الحياة بينما القذافي لا يزال يلعب فيها ويلهو. وكل إنسان كان لا يزال على وجه الأرض في اليوم الذي قُتل فيه القذافي على مدخل ماسورة تصريف مياه، قال في نفسه: كما تدين تدان.

ما دمنا نلتحف هذه السماء، ونفترش هذه الأرض، فإنه لا سبيل للنجاة من الضربات التي سنتلقاها بسبب أخطائنا إلا.. بعدم ارتكابها، ولا سبيل لنجاة من يذنب بحقنا، ولا حاجة لتدخّلنا أصلاً في الموضوع لأنه لا يمت بنا بصلة، وإنما هي قواعد في الحياة ونواميس في الكون، واسألوا إدارة المرور التي أخذت حق صاحب الكورولا البيضاء من صاحب الجيب الشيروكي الأسود.


Share |
|
|
|
بو زياد
31/10/2012 1:18 PM
دمت لنا كاتبًا راقيًا واقعيًا جميلة جدًا ما أتحفتنا به يا أستاذنا المبدع واصل سيرك في دروب الكتابة
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01