search
إصدارات
ارتباطات
حقائب الموتى
20/10/2012

ما الموت إلا مفارقة الروح للبدن، فتعود الأرواح إلى بارئها ونتورّط نحن بالجثث، كمن يستقل طائرة ويرحل بعيداً تاركاً وراءه حقيبته، فحتى لو دفن أهله حقيبته وذرفوا فوقها الدموع، فإن صاحبهم المسافر باقٍ بينهم كذكرى. فالمقابر ليست سوى مطارات ترك المسافرون أبدانهم فيها وأقعلوا بأرواحهم.

لكن ذكرى الراحل ليست سوى ذكرى مؤقتة، فما هي إلا أيام ويستقل أهله الواحد تلو الآخر على متن الخطوط الجوية نفسها، وسيرحلون تاركين حقائبهم لمن لم يحن موعدهم، وستزول الذكرى المؤقتة التي كانت بين المسافرين الجدد وبين المسافر الأول، لتنشأ محلها علاقة دائمة ما شاء الله ربّ العالمين.

تحوّل الذكرى المؤقتة إلى علاقة دائمة يلقي على المرء مسؤولية ثقيلة تجاه حقيبة عزيزه الراحل، فهي الشيء الوحيد الذي يمكن من خلاله أن يعرف المسافر إن كان صاحبه وفياً لذكراه أم حذفه من حياته بكبسة "DELETE".

فلو جلس المرء في بيته أمام صورة فقيد عزيز، وأخذ ينظر إليها ويتذكّر أيامه معه، أو راح يردّد كل يوم بصوت عالٍ موجهاً الكلام للفراغ: عزيزي الميت، أنا أتذكرك الآن، أنت ما تزال جزءاً من حياتي، لن أنساك أبداً. فإنه لا شيء يضمن أن الميت رآه أو سمعه، فنحن لا ندري كيف تجري الأمور معه هناك، لكن فرصة أن يراه ويسمعه في أرض المقبرة وهو واقف على حقيبته أكبر، على الأقل منطقياً.

ويمكن تصوّر الوضع بهذا الشكل: وضع المسافر كاميرا في المكان الذي سيترك فيه حقيبته وأوصانا بتفقّدها متى ما سنحت لنا الفرصة، ثم سافر بعيداً، ونحن نعلم أنه يرانا من خلال تلك الكاميرا، فهل يمكن أن نتجاهل الحقيبة ثم ندّعي أننا أوفياء لصاحبها؟ قد نخدع الجميع، لكننا لن نستطيع أن نخدعه هو، فلديه أشرطة سيواجهنا بها عندما نعود إلى لقاءه بعد سفرنا إلى ذلك المكان.

سيكون لقاؤنا معه في حال عدم تفقّد حقيبته لقاءً محرجاً إلى الأبد، وأول، وآخر عبارة سيقولها: لست وفياً معي، عاملتني كأنني انتهيت، ابتعد عني فأنا لا أعني لك شيئاً. ولن تستطيع أن تعيد العلاقة إلا إذا أخذت معك أشرطة كنت تسجلها وأنت تبكي أمام صورته وتتكلم معه. وهذا مستحيل بطبيعة الحال، خصوصاً عندنا نحن المسلمين الذين لا ندفن مع الميت سوى جثته ملفوفة براية الاستسلام البيضاء.  

وهكذا سنظل نشعر بالخجل إلى ما لا نهاية كلما التقينا به على ضفاف أنهار الجنة، أو بين ردهات جهنم والعياذ بالله، وسنسمعه يقول بنرة تهكمية: "سلّمولي على الوفاء!".

يبقى المخرج الوحيد هو أن يكون فقيدنا الغالي في مكان ونحن في مكان آخر، وما دامت هذه الفكرة خطرت ببالنا، فإننا في الحقيقة لا نحب هذا الشخص من الأساس، ولم نحبه يوماً، بل لا يجوز أن نطلق عليه لقب "فقيد"، بل النافد أو "الذالف".  

أما الورطة الأكبر فهي أن تتحول الذكرى المؤقتة إلى عداء أبدي. فما دام المرء حياً ومن يسبّب له الأذى ويلحق به الضرر يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، فإنه يمكن أن يصدق معه إن كذب عليه، وأن يؤدي أمانته إن خانه، وأن يعتذر له إن شتمه، وأن يرجوه أن يدعسه على رقبته إن أهان كرامته، وأن يطلب الصفح منه إن ضربه، وأن يصبح خادماً له إن أحدث به عاهة مستديمة، وأن يعيد إليه ماله إن سرقه، وأن يركع أمامه ويطلب منه أن يضربه إلى أن يشبع إن مسّ عرضه، فكيف يكون الوضع إن رحل قبل أن يصفي الحساب مع من ظلمه؟ متى ستحدث هذه التصفية؟ وكيف؟ وبأية شروط؟

ولنتخيل أن شاعراً مقطوع من شجرة أوصاني قبل وفاته بطباعة ديوانه الشعري، وحين رأيته مسجى لا يستطيع الادعاء بحقوق الملكية الفكرية، ابتسمت بمكر وذهبت فوراً إلى مطبعة وأصدرت الديوان باسمي، فالشخص الوحيد الذي يعرف السر ويمكن أن يشعرني بالخجل من فعلتي هو شخص ميت. فإذا تقاطر على بابي النقاد ليسألونني عن معنى هذا البيت أو ذاك، قلت وأنا أمسح على بطني: المعنى في بطن الشاعر.

وقد أندم لاحقاً وأعترف بأنني مجرد لص، لكن ماذا سأفعل إن مت قبل أن أعترف أمام الملأ وبقي الديوان منشوراً باسمي إلى الأبد، ماذا سأقول للشاعر؟

فبعد أن يبصق في وجهي في العالم الآخر فإنني سأجثو على قدمي بين يديه وأقول له: امنحني فرصة لأصحح خطأي، أرجوك. فإنه سيركلني في وجهي ويقول: ماذا ستفعل؟ هل ستعود إلى الدنيا لتعترف وتعيد إليّ المجد الأدبي الذي سرقته مني؟

ولأنني لن أستطيع العودة، فسأقول بغباء: "سأعترف هنا، وسأخبر الجميع بأنك صاحب الديوان؟"، وفي هذه المرة سيدعس على رقبتي كأنني عقب سيجارة: ومن يهتم بالشعر في هذا المكان يا لص؟ وهل ترى نقاداً سيقيّمون قصائدي؟ وهل هناك مؤسسة ثقافية ستمنحني الجوائز أو حتى تبحث عن أي فرد من عائلتي لتكريمه؟ في هذا المكان الناس إما منعّمون في الجنة لا يبالون بالقصائد السخفية التي قيلت في الدنيا التافهة، وإما معذّبون في الجحيم لا يعرفون أي شيء سوى الشعور بالخزي الأبدي.

هل تعرفون أفضع شيء يمكن أن يخطر ببال أي إنسان؟ أن يظلم شخص آخر ظلماً لا يمكن جبره ويستحيل أن يحصل على صكّ العفو عن فعله، وهو قتل شخص بشكل متعمد، إذ لا يمكن أن يلتقي به إلا في العالم الآخر. فماذا سيقول؟ كيف سيعتذر له؟ كيف سيعوّضه عن روحه، وعن الآلام التي تسبب بها له عن الآلام التي شعر بها أهله؟ فآلام أهل المقتول شيء، وآلامه هو لآلامهم شيء آخر، يعني جبلين عظيمين من الآلام. وهل لو تحولت كل حسناته إلى رصيد المقتول ستكون كافية لقبول اعتذاره؟ وإن تحولت الحسنات كلها، فما هو مصيره أصلاً غير جهنم؟

هذه هي الفكرة الأكثر رعباً التي خطرت ببالي منذ أن ولدتني أمي.

 


Share |
|
|
|
بو حنون
14/11/2012 6:53 PM
مرحبا.. مليت من كثر ما أقول المقال رائع لكن فعلا رائع أخذني لعالم المدفون. تعجبني الأمثلة المبسطة التي فيها شي من العبط (آسف على الكلمة) تدخل المخ بدون فرامل وتفتعل الأحداث بدون خربطة. أكثر شيء أعجبني تصويرك لزيارة الميت.. وهل نقدر أن نكون أوفياء لهم في وقت نهايتهم.. أتمنى أن نكون أوفياء. آخر جملة. صعبه جداً. ودي أسمعه من واحد "قاتل" لكنه اختفى.. الله يرحم موتاك.. على فكره حين يوم تزورهم "للوفاء" يضعون لك "تك" الحضور في أجندتهم وتشوف الابتسامة.. وشكراً لك.
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01