search
إصدارات
ارتباطات
كيف تُشبع غريزة البقاء؟
17/11/2012

يمكن على فراش الزوجية إخماد لهيب الغريزة الجنسية، وإشباع غريزة حبّ التملك بإلقام فم النفس هاتفاً متحركاً، وبمجرد الجلوس على الرصيف ومراقبة المارة فإن غريزة الفضول تقول: شبعت، الحمد لله. فكيف نُشبع غريزة البقاء ونحن لن نبقى مهما فعلنا؟

من بين الأشياء التي أرجوها أثناء إخراجي من مسرح الحياة، أن أرى أولادي بينما الستار يُسدل أمامي وفي أيديهم كتبي المطبوعة على ورق. وسأموت من الحسرة إن جاؤوني بقطعة "USB" وهمسوا في أذني: تستطيع الآن المغادرة، فكتبك محفوظة هنا.   

رؤية الأولاد قبل الرحيل تخفّف جوع غريزة البقاء، فحين أرى الأذن اليمنى لولدي وهي تشبه طبق اللاقط الفضائي، فإنني لن أحزن كثيراً على أذني التي تشبه "الدش"، فحتى لو أكلت الديدان منه، فإن أسوأ شيء يمكن يحدث هو تشوّش البث قليلاً، لكنه لن ينقطع، وسأظلّ موجوداً في عالم الأحياء بأذن ولدي.

وستكون آخر كلماتي لهم سؤالاً عن أسمائهم الكاملة، وكلما جاء ذكر اسمي بعد أسمائهم الأولى، فإنني سأتنهّد وسيسري إلى روحي تيار من الطمأنينة بالبقاء، وسأرحل من هذه الدنيا على بساط الراحة.

أتخيّل كل هذه الطمأنينة وأنا أرى أشخاصاً لن يبقوا للأبد للأسف الشديد، وستختفي الأطباق اللاقطة يوماً ما، وبعد 150 سنة من مغادرتي، ربما يكون لقب عائلة أحفاد أحفادي هو "الأحمد"، ثم قد يتغيّر إلى اسم والد جدهم، أي ولدي، لذلك سأكون حريصاً على تسمية أولادي بأسماء مضحكة كـ"شاكوش" مثلاً، لئلا يتخذها أحفادهم أسماء لعائلاتهم وأجد اسمي خارج الحسبة، فـ"الأحمد" أفضل مئة مرة من عامر سعيد حسن الشاكوش.

في عصر ما، لنقل بعد 200 سنة، لن أكون باقياً بأي شيء، لا ملامح، ولا جينات وراثية، ولا اسم، ومع هذا، يمكن إشباع غريزة البقاء بشكل جزئي من خلال العُقب، وإشباعها أكثر من خلال الكتب، الورقية فقط. ويمكن تصوّر الإشباع بالولد بالتهام تفاحة، بينما الإشباع بالكتب يعادل التهام قطيع من الأبقار.        

جاءتني هذه الفكرة الغبية حين كنت جالساً في مقهى بمدينة دوسلدورف الألمانية وبين يدي رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو المتوفى سنة 1885، وعند إحدى الفقرات تهيّجت مشاعري وجرت دموعي. مسحت تلك القطرات المالحة من على وجنتي ويمّمتُ وجهي شطر باريس وقلت: سلام عليك يا هوغو. وقلت في نفسي وأنا أعود إلى الفندق: إلقاء السلام على شخص يرقد تحت الثرى منذ 127 سنة لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن أكون مجنوناً، ولم يثبت لي ذلك حتى الآن، وإما أن يكون هوغو حياً يزرق، بفكره وكتبه.

ولو كنت قد ركبت السيارة وانطلقت إلى باريس بحثاً عن البقية الباقية من هوغو، لما عثرت على شخص اسمه ميشيل فرانسوا شارل فيكتور هوغو. ولو وجدته مجرد سكّير، أو عنصري، أو حتى رجلاً عظيماً وأديباً شهيراً، فإنه لن يكون نسخة طبق الأصل عن جده الأكبر، فيكتور هوغو، الذي هو موجود فقط بكتبه.

وبطبيعة الحال، ففي عام 1885 كان في باريس رجال أعمال، ومهندسون، وأطباء، ومحامون، ومخترعون، لكن لا أثر باقياً لهم اليوم، فحتى الذي بنى برج إيفل، فإن برجه الحديدي سينهار يوماً. والذي اكتشف عقاراً لعلاج مرض، فإن المرض نفسه سيتطوّر وسيضطر عباقرة الصيدلة إلى اختراع عقار جديد.

للأسف، فإن فئة واحدة من البشر يستطيعون إشباع غريزة البقاء فيهم، وهم أهل الإبداع والفن والتأليف، فالموسيقي باق بألحانه، والرسام بلوحاته، والمغني بأغانيه، والممثل بأفلامه، ولاعب الكرة بمشاهد مبارياته، والنحّات بتماثيله، والمؤلف بكتبه، سواء كانت رواية، أو قصة، أو شعر، بشرط أن تكون ورقية.

ومع هذا، فإن صورة العمل الأصلي للوحة الموناليزا مثلاً ليست من عمل الفنان دافينشي، ولو شبّت النار يوماً في متحف اللوفر، فإن الرسام المسكين سيحترق في قبره، وسينتهي من هذا العالم. ويشعر بتهوفن بالابتهاج كلما سمعنا سيمفونياته "الخالدة"، لكننا لا نسمعها إلا من خلال أجهزة مرتبطة بالكهرباء، ولو انقطعت يوماً فلن يكون هناك بتهوفن، ناهيكم عن أن الألحان التي نسمعها ليست هي نفسها التي انسابت بأحساسيس معينة من بين أصابع بتهوفن. وقل مثل ذلك عن الأفلام، والأغاني، والمباريات، كلها أسيرة التيار الكهربائي اللعين، والأجهزة الإلكترونية.     

الكتب وحدها تظل باقية بنفسها، بلا كهرباء، وبلا حاجة إلى وجود مسودّاتها أو طبعاتها الأولى، ولا "قوقل" ولا إنترنت، خصوصاً أن أسوأ كتاب في العالم يُطبع منه ما لا يقل عن مئة نسخة.

لكن لماذا سأموت بالحسرة إن قيل لي وأنا على مقعد المغادرة بأن كتبي موجودة على الإنترنت، أو في أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية، وليس في كتب ورقية؟

بالنسبة للإنترنت، فهو مرتبط بالكهرباء من جهة، وبالكابلات الموجودة في أعماق البحار من جهة ثانية، وبمزاج الشركات التي تشغل الشبكة العالمية من جهة ثالثة، ومجنون من يربط مصير أهم غرائزه بوصلات وتقنيات قد لا تدوم، وببشر يمكن أن يصابوا بالخبل يوماً.  

أما أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية، فهي عرضة للاندثار السريع، فأين مثلاً الأقراص المرنة، السوداء، الـ"فلوبي"، هل تذكرونها؟ وأين ذهبت البيانات التي خُزّنت فيها؟ إلى الجحيم بالطبع، خصوصاً أن مُصنعي الكمبيوترات لم يعودوا يصنعون أجهزة ترحّب بها.

وغداً، قد يصبح الـ "USB" شيئاً لا أثر له إلا كصورة لشيء غبي صنعه الإنسان يوماً ما، وبالطبع لن نستطيع أن نتفحّص الأشياء التي ابتلعتها هذه القطعة الإلكترونية.

ويقول الروائي الإيطالي أومبرتو إيكو إنه لا دليل على صمود وسيلة إلكترونية فترة طويلة، بينما ثبت أن هناك مؤلفات لا تزال في حالة ممتازة رغم طباعتها قبل خمسة قرون، ناهيكم عن مخطوطات لا تزال صامدة كُتبت منذ عشرون قرناً، أي بعد ميلاد المسيح بقليل.

الآن، أستطيع المغادرة بقلب مطمئن بالبقاء على الأقل 500 سنة.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01