search
إصدارات
ارتباطات
شخير ربّ العمل ينوّم العمال
6/10/2012

لم أؤخّر أي معاملة تنتظر إمضائي الثمين، ولا مرة، ولا دقيقة، بل كنت أضع الإمضاء على الأوراق فور الاطلاع عليها، لكن كان الجميع يحترمون الساعة التي استقطعها من وقت الدوام لأداء طقوس الصباح.  

كنت رئيس قسم نيابة المرور في النيابة العامة، وعند الثامنة أُغلق الباب وأفتح النافذة وأفرش الجريدة، وعن يميني شيء يتصاعد منه الدخان، وعن شمالي كوب "كرك"، وفي يدي سندوتش جبن آكله وأنا أقرأ وأدخّن وأشرب، بفم واحد.

ولأنني كما أسلفت لم أكن أعطّل مصالح الناس، فشيء ما ألهمني إنهاء طقوسي في ذلك اليوم أسرع من المعتاد، ولم أكد أسحق السيجارة في المنفضة، وأرتشف رشفة "الكرك" الأخيرة، وأنفض يداي وأنا أعيد طي الجريدة، وإذ بباب المكتب يُفتح فجأة.

ورأيت فيما يرى المواطن الصالح الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكان حينئذ ولي العهد بإمارة دبي، يقف على عتبة الباب، ومن خلفه مرافقوه، ووراءهم النائب العام (السابق) يقف على أصابعه محاولاً رؤية ما يجري في الداخل، فهو المُلام الأول مثلما هو الذي يتسلّم الجوائز عند تميز المؤسسة.

وكان أول شيء خطر ببالي فعله هو أن أقف مثل الرجال، ولم يتح لي الشيخ محمد الفرصة لأفكّر في التالي، فقد انصرف من دون أن يقول شيئاً، لكنه أوصل رسالة واضحة حين ترك الباب مشرعاً على الآخر. خرجت على إثرهم لكنهم كانوا يسرعون في خطواتهم متجهين إلى الطرف الآخر من مبنى المحاكم، حيث كانت تقع آنذاك مكاتب قسم نيابة المرور.

عُدت لألتقط قلبي بعد أن وقع في أحضاني من هول المفاجأة، وضغطت بيدي على بطني لكي يهدأ، متخيّلاً موقفي لو كان الباب قد فُتح قبل ذلك بثواني معدودة، فتخلصت من المنفضة، وقررت تناول إفطاري في الطريق ابتداء من الغد، أما أهم شيء فعلته، فقد طويت قطعة كرتون ووضعتها أسفل الباب ليظلّ مفتوحاً 24 ساعة أمام المراجعين.

وتذكّرت أنني مسؤول عن عشرات الموظفين، فهرعت إلى حيث توجد مكاتبهم في القاعة الرئيسية، وفوجئت بأحدهم يقول إن العصفورة أخبرته أن الشيخ محمد في طريقه إليهم، ولأنه اعتقد بأنهم سيدخلون من الباب الرئيسي، فقد صعد فوق إحدى الطاولات وأخذ يراقب الحركة خارج المبنى حيث مواقف السيارات المواجهة لمستشفى راشد، وقال: في اللحظة التي نزلت فيها من فوق الطاولة، خيم صمت على الجميع، فالتفتُ ورائي فوجدت الشيخ محمد ومعه مرافقيه وقد دخلوا القسم من الباب الداخلي، وأضاف وهو ينفح نفخة النجاة: لو كانوا قد دخلوا القاعة قبل ذلك بثانية واحدة، لرأوني أقف على الطاولة كأنني ديك على وشك الصياح.

وكان ذلك حجّة لي لسدّ ما تبقى من خروقات وظيفية في القسم، ورحت أذكّر الموظفين بتلك الزيارة كلما رأيت أكياس الطعام على الطاولات، أو وجدت أحدهم غارقاً في مقعده كأنه يجلس في مقهى والده، إذ يمكن قول كلمتين "حلوين" للنائب العام، لكن ما الذي يمكن فعله إن جاء الشيخ محمد لتفقّد سير العمل مرة أخرى ورأى الموظفين في وسط مظاهر الفوضى، ورئيسهم مختبئ في مكتبه؟

ويبدو أنني لم أستوعب الدرس جيداً، درس أن قلة من الناس ينجزون أعمالهم بإخلاص، سواء كانت عيون ربّ العمل تراقبهم أم لم تكن، فهناك من الموظفين من لا يحرك ساكناً إلا ما دمت عليه قائماً، فإن اعتمدت على ضميره الحي، فكأنك تعتمد على جثة.

فبعد سنوات من تلك الزيارة حملت مكنسة واتجهتُ إلى إحدى أشجار منزلي وقلت لها وأنا أضربها على جذعها: إن لم تثمري هذه السنة فسأقتلعك وأرميك في الخارج لأفواه العنز. فأنا من المعتقدين بإمكانية التواصل مع الشجر، وسبق أن هددت شجرة مانغو متعالية، وفي الموسم التالي ثقلت أغصانها بالثمار.

وفي الصيف، وبينما كنت أقطف ثمار الليمون من بقية الأشجار، كان بعض العمال يقتلعون تلك الشجرة العنيدة، وكنت متعجباً منها، فهي شجرة الليمون الوحيدة التي لا تنمو، ولا تثمر، ولا تموت واقفة، ولا تفعل أي شيء سوى شفط المياه.

وبعد التخلّص منها، نظرت في الحفرة وأدركت الحقيقة، إذ وجدت في قاعها كتلة خرسانة، وعثرت في كومة التراب المستخرج بقايا "وزار" حارس بيتي في مرحلة الإنشاء، وأسياخ حديد وقطع بلاستيك وحصى ومسامير.

وتذكّرت المشكلة التي واجهتني حين شرعت في زراعة المساحة المحيطة بالفيلا، فقد ردم المقاول مخلفات البناء هناك، وقام أبي مستعيناً ببعض العمال بتهيئة الأرض لتكون صالحة للزراعة، ولم يغرس شجرة أو يبذر بذرة إلا بعد التحقق من خلو الأرض تحتها من "كشرة" المقاول، إلا هذه الشجرة.

فأذكر أنني طلبت من العمال أن يحفروا حفرة عميقة، كما يفعل الوالد الذي كان مسافراً في ذلك اليوم، وأن يزيلوا كل الأوساخ التي تمنع نمو الشجرة مستقبلاً، وأذكر هذه التحذيرات لأنني كررتها ألف مرة: "لازم حفرة واجد عميق.. كُل كشرة لازم شيل.. بعدين شجرة موت".

ولأن العمال كانوا قد أتوا في يوم إجازة، وفي أول الصباح، فقد تركتهم لينجزوا العمل بإخلاص وذهبت لمواصلة النوم، لكن الذي حصل أنه حين تناهى إلى سمعهم الشخير الهادر الصادر من داخل الفيلا، قال قائلهم: هل نحن هنا للتنقيب عن النفط؟ تكفي حفرة سطحية، ومضوا في طريقهم يمارسون طقوسهم الصباحية.   


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01