search
إصدارات
ارتباطات
هل العلم والمنطق من نهر واحد؟
15/11/2012

في مسرحية "مدرسة المشاغبين" يخطُّ الفنان الكوميدي سعيد صالح بطبشورة كلمة "منطق" بحجم كبير على "السبورة" بحيث تغطي اللوحة الخشبية بالكامل. لم يكن المشهد يناقش أهمية المنطق، لكن فعلاً تستحق هذه الكلمة أن تُكتب بخط كبير.

نحن في الغالب، كأفراد أو مجتمعات أو حكومات، نلجأ إلى أصحاب التخصصات لنسألهم في أمور تتعلق بتخصصهم، وعلى ضوء ما ينتهون إليه، نتخذ قراراتنا ونبني سياساتنا. لكن أحياناً تكون المسألة متشعبة، فيها جانب علمي بحت، وجانب آخر يتعلق بأشياء لا تمت لذلك التخصص بأية صلة، وإنما بمنطق الأمور. ومع هذا، فإننا نعتقد أن العلم والمنطق يجريان في نهر واحد، بينما في الحقيقة قد يكون الإنسان على مستوى رفيع من التعليم، لكن لا منطق له، والعكس صحيح أيضاً، فقد يكون شخصاً أميّاً أكثر منطقية من دكتور الجامعة، لكننا للأسف أيضاً نقيّم الأشخاص حسب مؤهلاتهم العلمية، إذ ليست هناك جهة تمنح شهادات للمنطق.

يكفي مثلاً أن نمعن النظر في الاستطلاع الذي أجري لأكثر من ألف طبيب في بريطانيا بشأن حرمان المدخنين والبدناء من العلاج وفق نظام الخدمات الصحية هناك، إذ أيّد 54 بالمئة من الأطباء الذين شاركوا في الاستطلاع رفض نظام الخدمات الصحية تقديم العلاج غير الطارئ للمرضى ما لم ينقصوا وزنهم أو يقلعوا عن التدخين، على اعتبار أن "السوك غير الصحي يمكن أن يؤدي إلى قلة احتمال نجاح الإجراءات، كما أن نظام الخدمات الطبية ليس ملزماً بتخصيص الموارد النادرة للأشخاص الذين لا يهتمون بصحتهم"، حسبما جاء في الخبر المتعلق بالاستطلاع، بينما رفض الأقلية من الأطباء ذلك ووصفوه بابتزاز المرضى وحرمانهم من حقوق الإنسان.

وبمنطق الأغلبية نفسه، وبعيداً عن الابتزاز وحقوق الإنسان، فإن الغالبية من البشر، في بريطانيا وفي غيرها، يجب ألا يحظوا بنظام خدمات صحية إلا في الحالات الطارئة، فكل من يتعاطى الكحول قد يتعرض لانتكاسات صحية خطرة، يكلّف علاجه ميزانية دولته مبالغ كبيرة، ولا معنى لعلاجه من تلك الانتكاسات والأمراض المرتبطة بتناول الكحول ما لم يتوقف عن تناولها. وكذلك الحال مع المدمنين على المخدرات، وكل الكسالى الذين لا يمارسون الرياضة، وكل من يتناولون الوجبات السريعة، والذين يأكلون الشيبس ويتناولون المشروبات الغازية بكثرة، والذين يقضون حياتهم في السهر، والذين يقودون سياراتهم بطيش وتهور، فحسب ذلك المنطق، فإن الذي يصاب بالأذى نتيجة قيادته المتهورة، يمكن علاجه بشكل طارئ في المرة الأولى، فإن استمر في القيادة بتهور، وارتكب حادث، وأصيب، فإن علاجه لا معنى له، ويجب تركه على قار الشارع ينزف دماً إلى أن يموت. والقائمة تطول، وبالمنطق نفسه، لن يستحق أي إنسان خدمة صحية إلا إذا توقف عن كل فعل أو ممارسة أو سلوك ثبت علمياً أنه يسبّب الأمراض.

هذا، ونحن نتحدث عن فئة الأطباء الذين يعتبرون من النخب المتعلمة في جميع أنحاء العالم، وفي دولة تعد من دول العالم الأول، وتقدم جامعاتها ومدارسها أرقى أنواع التعليم، والأمر نفسه يحدث أو يوجد في جميع التخصصات وعلى كل المستويات: متعلمون، وأذكياء، ومثقفون، وقادة رأي في مجتمعاتهم، لكن قد يكونون منطقيين في أحكامهم وتصوّراتهم، وقد لا يكونون.

ليس أمامنا إلا أن أن نضع ثقتنا في أصحاب التخصصات في كل ما يتعلق بتخصصهم البحت. أما فيما عدا ذلك، فعلينا البحث عن الأشخاص الحكماء، والمنطقيين، للاسترشاد بهم، وحتى لو لم يقصد مؤلف المسرحية تسليط الضوء على أهمية المنطق، فإن هذه الكلمة تستحق أن تُكتب بخط كبير.  


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01