search
إصدارات
ارتباطات
أرضية المفاهيم
8/11/2012

أنهى قريب لي عمل أحد مسؤولي الشركة التي يديرها، وطلب منه أخذ متعلقاته الشخصية وترك الملفات لفرز ما بها على مهل وتسليمه أوراقه الخاصة دون أوارق الشركة. ويبدو أن المسؤول لم يعجبه ذلك، فقال لقريبي: "أنت تعذّبني"، فرد عليه بجملة واحدة: "أنت لا تعرف معنى التعذيب".

استدعت الشرطة في اليوم التالي قريبي لسؤاله عن البلاغ المقدم ضده بالتهديد بارتكاب جناية، فتعجّب من الأمر، فهو لم يهدد الموظف، لا صراحة ولا ضمناً، وإنما أنكر عليه أن يتهمه بالتعذيب، فالإجراءات التي صاحبت إنهاء عمله لا يمكن أن ترقى إلى مستوى "التعذيب".

وفي قضية أخرى، اتهمت النيابة العامة مالك صالة ألعاب بحيازة مادة مخلّة بالآاب بقصد العرض، لعبة إلكترونية تتعرى فيها البطلة كلما تقدم اللاعب في مراحل اللعب، واستند دفاع محامي المتهم على أن ما كان يعد مخلّاً بالآداب في زمن قد لا يُعد كذلك في زمن آخر، ذلك أن معيار ما هو مخلّ من عدمه هو ما تعارف عليه الناس أنه خروجٌ على الاحتشام ومما تجرح رؤيته أو سماعه شعور الجمهور، ومع انتشار دور السينما، والفضائيات، والإنترنت، والألعاب الإلكترونية، تغير المعيار وهبط سقف الاحتشام. 

وكثيراً ما نسمع عبارة "جريمة تمس الشرف والأمانة"، عند الاطلاع على شروط التوظيف في بعض الوظائف مثلاً، والحقيقة أنه لا يوجد معيار موضوعي لهذا التصنيف، وبعض شرّاح القانون يفسّرونها بأنها الجرائم التي "ترجع إلى ضعف في الخلق، وانحراف في الطبع، وخضوع للشهوات، مما يزري الشخص، ويوجب احتقاره، فلا يكون جديراً بالثقة".. فما هي هذه الجرائم؟ وهل هناك جريمة عمدية على وجه الأرض لا ترجع إلى ضعف في خُلق مرتكبها؟

وربما توحي كلمة "الأمانة" بأنها تتعلق بجرائم المال، فهل يمكن أن نصف كل من عوقب بجريمة إعطاء شيك بسوء نية، وهي من جرائم المال، بعدم الأمانة؟ وكلمة "الشرف" قد توحي بجرائم العرض، فهل الإشارة البذيئة في الشارع، وهي من الجرائم الواقعة على العرض، تُفقد فاعلها شرفه؟

وحين يقف شخصان على أرضية غير مشتركة لمدلول أو مفهوم الكلمات، فإنه من الطبيعي أن يقصد أحدهما بالتعذيب مجرد عدم تمكينه من أخذ ملفات الشركة، بينما الآخر يقصد به الضرب بالسلاسل وتعليق الجسم بالخطاطيف.

وحين يعتاد الناس رؤية أشياء كانت تجرح مشاعر أسلافهم، فإن معيار ما هو مخلّ من عدمه يتبدّل، ولا يمكن أن يصدر القاضي حكمه بمعزل عن العالم المحيط به. 

وليست مسألة اختلاف فهم مدلول الكلمات من شخص إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن فترة زمنية إلى أخرى في المجتمع نفسه، مقتصراً على أهل القانون الذين لم يتفقوا على معنى "الشرف والأمانة" رغم استخدامهم هذه العبارة ليلاً ونهاراً، ففي كل المجالات الإنسانية يمكن أن تثور هذه المشكلة.

فماذا يعني مثلاً مصطلح "الحرية"، أو "الكرامة"، أو "الإصلاح"، أو "الاستبداد"، أو "الخيانة"، أو "الوطنية"، أو "الأجندة الخارجية"، أو "الفتنة"، وغيرها من كلمات تتردد في هذه الأيام بكثرة، وهل مدلول هذه الكلمات في ذهن العربي يتطابق مع مفهومها لدى الهندي أو الصيني أو السويدي أو الأميركي؟ بل هل تتراءى الصور نفسها في مخيلة العرب أنفسهم عند سماعهم مثل تلك الكلمات؟


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01