search
إصدارات
ارتباطات
دورة حياة الرفاهية
27/9/2012

كل شيء يأتي من شيء ويؤدي إلى شيء، وفي إحدى المرات زرتُ صديقاً لي يعمل محامياً، وتقريباً لم أسمع منه كلمة إيجابية في مجمل أوضاع البلد، فأجلت بصري في مكتبه المطلّ على شارع الشيخ زايد، حيث يحتل نصف طابق في برج حديث الإنشاء لا يمكن الولوج إليه إلا من خلال بوابات إلكترونية، ويعمل تحت إمرته عشرات الموظفين والمستشارين، كما أن سيارته الرياضية تنتظره في الأسفل لتقلّه إلى مجمع الفلل الذي يملكه في منطقة راقية، حيث يتخذ من فيلا واحدة سكناً له وبقية الفلل مؤجرة، وعياله يحصلون على تعليم مميز في مدارس خاصة، كما أنه لم يفوّت في السنوات الأخيرة موسماً للحجّ إلا زار البيت العتيق وأدى المناسك، ناهيكم عن الرحلات العائلية إلى شرق وغرب العالم. 

كان النعيم الذي يرفل به يمرُّ أمامي مثل شريط سينمائي، ولم أقطع تذكرة دخول سينما حياة صديقي من باب الحسد وإنما بدافع الدهشة من نقمته على الأوضاع، رغم أن واقعه على الأرض لا يمكن أن يكون ترجمةً لرأيه الغريب.

فألمحت له ما كان يخطر ببالي، فكانت إجابته غير متوقعة: هذا بفضل الله، ثم بكدّي وعرق جبيني. وهذا صحيح يا صديقي، فكل ما ننعم به هو من فضل الله، ثم بكدّنا وعرقنا، لكن مع هذا، فكل شيء يأتي من شيء ويؤدي إلى شيء، حسناً كان أم سيئاً، والعيش الرغيد لأي إنسان هو دورة كاملة، والأمر نفسه في حياة الشقاء والبؤس. وفي مجتمعات أخرى، يكدّ الإنسان فيها ويعرق، وفي نهاية اليوم ينام على بساط الفقر متوسّداً مخدة الأحلام بغدٍ أفضل.

حين يملك المحامي، وهو مجرد مثال، رصيداً من سبعة أرقام في البنك، فهذه الأموال هي حصيلة أتعاب القضايا والأعمال التي أُوكلت إليه، سواء من أشخاص طبيعيين أو اعتباريين، كمصارف وشركات ومؤسسات، وكثرة القضايا في جانب من جوانبها دليل عافية البلد وحيوية أسواقه ونمو تجارته، كما أن جانباً كبيراً من عمل الكثير من المحامين يتركز في الإشراف على عقود تأسيس الشركات وأعمال المقاولة وغيرها.

ولا يمكن تصوّر وجود مجتمع أعمال قوي من دون بنية تحتية متطورة، وإدارة متميزة ومرنة تضبط الإيقاع، وقوانين عصرية، وخدمات حكومية راقية، وعلى رأسها يأتي القضاء العادل والنزيه، والتي بدورها تنعش قطاعات عدة كالقطاع السياحي وقطاع الضيافة وقطاع المعارض وقطاع التجزئة، وفي خضم هذه الحركة المحمومة واحتكاك كل تلك العناصر تتضارب المصالح وتنشأ الخلافات وتتحرك الأطماع، فترفع الدعاوى ويأتي دور المحامين لتسوية تلك النزاعات وحلّها، ليس مجاناً بطبيعة الحال.

وحين يكون المحامي وكيلاً لشركة سياحية مثلاً، فإن وجود مثل هذه الشركة سيعني بالضرورة وجود شركات رديفة، كشركات تأجير السيارات وشركات تصنيع التحف والهدايا التذكارية، ثم تنمو من حولها شركات أخرى مثل الفطر، وكل هذه الشركات تحتاج بدورها إلى محامين لمزاولة أعمالها بصورة قانونية وآمنة، فإذا عدنا إلى نقطة البداية، سنجد أن وجود الشركة السياحية من الأساس هو نتيجة الوضع الصحي للبلد، فلا سياحة بلا أمن وأمان ونظام وخدمات.

كل شيء يأتي من شيء ويؤدي إلى شيء، والعيش الرغيد حلقة في دائرة من النجاح والازدهار، ولا يكسر هذه الحلقة إلا الجحود وكفران النعمة.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01