search
إصدارات
ارتباطات
الهمزة الغبية
8/12/2012

لم أكن أفوّت أي حلقة من حلقات المسلسل السوري الرائع "المكافأة"، وأسرني الفنان طلحت حمدي بدوره في المسلسل: معلم مثالي يتصدى للفساد ويدافع عن شرف المهنة. لكن شيئاً غريباً حصل في المشهد الأخير من المسلسل، طلحت حمدي يتلقى رصاصات غادرة في الفصل بينما يكتب على السبورة كلمة "الوطن".

لم يكن قتله هو الأمر الغريب، فكلنا سُنقتل يوماً وسنذهب إلى حيث لا ندري، سواء بمرض أو حادث أو خطأ طبي أو جريمة قتل، لكن الغريب كان وضع الفنان همزة على حرف الألف، هكذا "ألوطن"، وهو خطأ لا يقع فيه طالب في الصف الثاني الابتدائي، فكيف وقع فيه ممثل مخضرم مثل طلحت حمدي، والمصوّرين، والمخرج، والجماعة الذين في الإنتاج، بل حتى الطلبة الكومبارس الذين شاركوا في المشهد، ألم يرفع أحدهم يده أثناء التصوير ليقول: الوطن تكتب من دون همزة يا معلم!

لكنني نسبت الخطأ حينها إلى جهلي بعلوم اللغة العربية، وقلت: مثلما هناك مدارس في الفقه، ومدارس في النحو، ومدارس في الحديث، والرسم العثماني لبعض كلمات المصحف لا يتوافق وقواعد الإملاء المعروفة، فربما كانت تلك الهمزة صحيحة في إحدى مدارس اللغة العربية، رغم أن معظم معلمي اللغة العربية الذين تتلمذت على أيديهم كانوا من الشام، ومن سوريا تحديداً، وكان وضع مثل تلك الهمزة في حصص الإملاء يعقبه ضربات بالعصا على اليد.

وازداد يقيني بوجود مدارس مختلفة للغة العربية حين قرر الرئيس العراقي السابق صدام حسين إضافة عبارة "الله أكبر" على علم بلاده، إذ وُضعت تلك الهمزة على لفظ الجلالة. وقلت في نفسي: فعلاً أنت جاهل، هل من المعقول أن تُخطئ دولة مثل العراق، عراق السيّاب والجواهري والرصافي ومن قبلهم سيبويه وجماعته، في إضافة همزة خطأ في علمها، والعلم، أي علم، رمز الدول، ودونه تراق الدماء وتخاض الحروب؟ بل تكون هذه الهمزة على أكثر لفظة يستعملها أي عربي، وهي موجودة في كل مكان؟

ولحسن الحظ أنني قرأت مؤخراً مقالة لكاتب عراقي بعنوان "كلام الريس" يتساءل فيها عن تلك الهمزة في علم صدام حسين، ويكشف بتحليل منطقي سرّ الهمزة الصدامية، فيقول إنه يعتقد أن صدام استدعى وزير خارجيته طارق عزيز وناوله ورقة مكتوب عليها بخط يده لفظة الجلالة بالهمزة، وقال له: أريد إضافة هذه العبارة على العلم العراقي. ولم يجرؤ طارق عزيز، باعتباره خادماً مطيعاً لصدام، أن يصحّح له ويكشف جهله، وقام فوراً بتسليم الورقة للمصممين.

ويتوقع الكاتب أن المصممين أيضاً لم يجرؤوا على تحدي الرئيس، وأن ألوف الخياطين والرسامين والخطاطين ظلوا يضيفون الهمزة رغم معرفتهم أنها خطأ، فهي "أهون وأسلم من إثارة غضب صدام حسين".

وربما تعسّف الكاتب في تحليله، لكن لا شيء يفسّر وجود تلك الهمزة إلا رعب أعوانه من مجرد التفكير في تصحيح خطأ صدام، إلا إذا كانت هناك مدارس مختلفة للغة العربية كما كنت أعتقد.  

ويبدو أنني سألجأ إلى التحليل نفسه في "ألوطن" الخاص بالمسلسل السوري، فإما أن يكون الفنان طلحت حمدي ديكتاتوراً لم يجرؤ أحد أثناء التصوير إلى تنبيهه إلى ذلك الخطأ الفادح، وإما أن يكون المخرج هو الديكتاتور، وهو الذي أوقف التصوير حين رأى الفنان يخط الكلمة بشكل صحيح، فاعتقد أنها طريقة خاطئة، وأخذ الطبشورة وزعق في وجه الممثل: هكذا تُكتب الكلمة يا مثقف.. ألوطن.

ويبدو أنني ما زلت إنساناً عادياً ولم أتحول بعد إلى مستبد غبي يخاف مني الناس، أو يجاملونني، أو يشترون راحتهم بقليل من نظرات الرضا عنهم، فالكثير من القرارات التي اتخذتها في حياتي وُوجهت بانتقاد أو اعتراض أو تعليق أو سخرية، سواء من أهلي أو أصدقائي أو زملائي في العمل، وقالوا لي من دون تردد أو ارتباك وبكل وضوح: ما هذه الهمزة الغبية؟

* * *

 

ملاحظة: وصلتني رسالة إلكترونية بتاريخ 06/03/2013 من السيد أحمد طلحت حمدي (ابن الممثل السوري طلحت حمدي رحمه الله) يعترض فيها على ما جاء في المقال المنشور أعلاه بشأن قضية (الهمزة)، ورغم أن المقال من أوله إلى آخره ساخر، وليس مقال رأي أو مقال علمي، فإنني أعتذر بشدة للسيد أحمد طلحت حمدي عن أي إساءة لذكرى والده الراحل، وأنشر أدناه رسالته كما هي، والمقال الذي كتبه رداً على مقالي، معتذراً له عن عدم نشر رده في الصحيفة التي نشرت مقالي، والاكتفاء بنشر رده ومقاله في موقعي الإلكتروني، إذ لا سلطة لي على الصحيفة لأطلب منها نشر الردود على مقالاتي:

 

السلام عليكم.. تحية طيبة وبعد،،،

أود أولاً أن أشكرك على إعجابك بوالدي ومسلسله المكافأة خصوصاً أنه مضى على العمل 25 سنة ومازال في ذاكرتك فهذا إن دل على شيء يدل على أنه قد أثر بك جيداً.

لقد قرأت مقالك في جريدة "الاتحاد" الإماراتية  بعنوان "الهمزة الغبية"، ولولا الوقت الخاطىء الذي  نشر فيه المقال لما فكرت في الرد على مقال حضرتك، لأن وقت النشر كان بعد 4 أيام من وفاة والدي الفنان السوري طلحت حمدي، وقد أحببت أن أنشر مقالاً أرد على مقالك به اتباعاً لحق الرد  .

لكن على ما يبدو أن الجريدة لا ترغب بذلك أبداً ولو كانت مهنية حقاً أو مهتمة وتحترم القراء أصلاً لما سمحت لمقالك أن ينشر وهوه مبني على الخيال وليس فيه أية معلومات صحيحة .

فأرجو أن تقرأ المقال، وإن كنت حقاً مهنياً محترفاً مؤمناً بحرية الرأي والتعبير أن تنشر المقال في الجريدة نفسها توضيحاً للقراء الذين يقرأون وقد أخذوا ما أخذوا من فكرة خاطئة عن العمل بمقالك المبني كله على الأخطاء.

مع خالص مودتي وعميق تقديري

المخرج السينمائي

أحمد طلحت حمدي

ahmadtalhathamdi@hotmail.com

 

 

الهمزة الذكية ( للأذكياء فقط ):

رداً على مقال أحمد أميري،،،

بعد الشكر العميق على كلامك الجميل بالنسبة لمسلسل المكافأة والفنان الكبير الراحل طلحت حمدي وذاكرتك القوية لتتكلم عن عمل عرض منذ 25 عام وقد أثار ما أثار في وقتها من قضايا هامة تتعلق بالمعلم وحقوق المعلمين, كان لا بد لي من توضيح النقاط التالية:

ما حصل في المشهد الأخير من مسلسل المكافأة أن المعلم (أحمد) قد تلقى رصاصة غادرة وهو على السبورة يفتتح درسه بكلمة الوطن. بل كان قتله هو الأمر الغريب، فإن كنت لا تدري بأي حقبة من الزمن قد صور مسلسل (المكافأة) فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. فقتل المعلم بهذا الأسلوب (الدنيء) هو أمر عادي بالنسبة إليك! مبرراً إياه أن كل واحد منا سيموت سواء بمرض أو حادث سيارة أو.. أو.. إلخ. لقد قتل المعلم بهذه الطريقة (الدنيئة) لأنه وقف بوجه الطالب، ابن "المسؤول" الذي كان يقدم الامتحان ومعه ورقة الأسئلة ومجاب عليها. فإن كنت تعتبر أن قتله ليس بالأمر الغريب بتبرير أننا كلنا سنموت، إذاً فلا داعي لمعاقبة القاتل على قتله لآخر لأنه بالنهاية، سواء قتله أو لم يقتله فسوف يموت!

وبالنسبة لاستغرابك من وضع الهمزة على حرف الألف في أول كلمة الوطن (فما غريب إلا الشيطان)  أنت تستغرب كيف وقع به ممثل مخضرم مثل طلحت حمدي وتتساءل أين المخرج؟ أنا سأجيبك أين هو المخرج لأنك حتى أبسط المعلومات عن العمل لم تتطرق إليها أو لا تعرفها في الأساس.

لقد كان الممثل المخضرم طلحت حمدي هو مخرج العمل وبالتالي هو يصور المشهد ويعود ويشاهد ويستعرض ماذا صور مع الفنيين المختصين، فهذا إن دل على شيء يدل على أن ذلك لم يحدث سدى. وإجابة على سؤالك في المقال: أين جماعة الإنتاج والكومبارس من الطلبة؟!  للتوضيح فقط، فإن جماعة الإنتاج يقتصرعملها على تجهيز مواقع التصوير والإكسسوارات وما يلزم المشهد.. وإن كان فعلاً هذا خطأ بمحض الصدفة فهو من مهمة ملاحظ السيناريو ومساعدي المخرج (أي طلحت حمدي). فكيف لهم بتوجيه هكذا سؤال لقامة فنية كبيرة لولا أنهم يعلمون تماماً لماذا كتبت الهمزة على الألف في كلمة ( ألوطن )؟! هذا أولاً..

أما ثانياً، فكما هو معروف للجميع فإن الفنان الراحل المخضرم شارك بعدد كبير من الأدوار التاريخية ولو لم يكن ضليعاً وأستاذاً باللغة العربية وبشهادة عمالقة الدراما من الفنانين ومدققي اللغة العربية في الأعمال التاريخية لما طلبوا منه القيام بهذه الأدوار، فهو الزير سالم بمسرحية ألفريد فرج لرفيق الصبان، وهو رماح في غضب الصحراء للكبير هيثم حقي، وهو وضاح اليمن للأديب الكبير عادل أبو شنب، وهو الزبير بن العوام في مسلسل الحسن والحسين، وهو الشاعر ابن خفاجه الأندلسي في مسلسل ابن قزمان، وهو النابغة الذبياني، وهو عروة بن الورد، وهو طرفة بن العبد، وهذا غيض من فيض.  

ثالثاً، أنت تتكلم عن ممثل ديكتاتور أو أن المخرج ديكتاتور وأوقف التصوير وقال إن الهمزة على ألف يا مثقف، وتسرح بخيالك الخصب محاولاً إيجاد تبرير لذلك "الخطأ" من وجهة نظرك، فكما أسلفت فإن الممثل الذي كتب الكلمة هو المخرج وبالتالي فأنت لا تعرف من هو مخرج العمل ولو كنت تعرف لما تخيلت هذه المواقف.

وحتى لا تلجأ إلى التحليل ذاته الذي ذكرته بمقالك السابق عن مدارس اللغة العربية والفقه وما إلى ذلك، سأعطيك الجواب الشافي: المعلم أحمد في كل صباح قبل بداية الدرس كان يكتب على السبورة قصيدة الشاعر اليمني عباس الديلمي:

صبَاحُ الخَيْرِ يَا وَطنَاً، يَسِيرُ بِمَجْدِهِ العَالِي إلى الأَعلى

ويَا أرْضَاً عَشِقنَا رَمْلَهَا، والسَفْحَ والشُطْآنَ والسَهْلا

ماذا تستنتج من معلم يبدأ درسه بهذه الكلمات؟ ماذا يعني له الوطن إذاً؟ كما يقولون (لضرورات شعرية) سأقول لك إن وضع الهمزة على الألف (لضرورات درامية) وتحمل معنىً كبيراً والمعنى بقلب الشاعر. الهمزة على الألف تحمل معنى (الوطن أولاً) والهمزة في كلمة أولاً على ألف.. وبالتالي يصبح المعنى (أولاً الوطن) ومن سمة الفن الاختزال، فأصبح المعنى (ألوطن).

وكما تعلم، الفن يحمل رسالة في طياته إلى المجتمع وبطريقة غير مباشرة  حتى يتمكن المجتمع من التأمل والتفكير، فالعقل هو جوهر الوجود الإنساني لأنك تخاطب عقل بشري وليس أن تقدم له الرسالة أي (المعنى) في ملعقة طعام على طريقة  "باب الحارة". دعه يفكر ويستنتج كما يريد.. المعنى بين السطور.. ليس بالشكل بل بالمضمون.              

                       

المخرج السينمائي/ أحمد طلحت حمدي

 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01