search
إصدارات
ارتباطات
باع سيارته من أجل كندورته!
24/11/2012

"باع إماراتي سيارته الجديدة باهضة الثمن (نحو 40 ألف دولار أميركي) بعد استعمالها لأقل من ستة أشهر بحجّة تلطّخ كندورته (ثوب طويل يغطي الجسد من العنق إلى القدمين، ويكون غالباً باللون الأبيض، ويعد زياً وطنياً في دول الخليج العربية) ببقع سوداء كلما صعد سيارته أو ترجّل منها.

وعبّر الرجل السمين عن سعادته عند تسلّم قيمة بيع السيارة، التي لم يفصح عن مقدارها، وقال وهو يصعد سيارة أجرة مرتدياً جلابية نوم مخططة بالأحمر والأزرق ومتجهاً إلى وكالة بيع سيارات: وأخيراً، لن أعود إلى خياطة كنادير جديدة كل أسبوعين. والجدير بالذكر أن دولة الإمارات تعتبر سادس أغنى دول العالم، حيث بلغت حصة الفرد من إجمالي الناتج المحلي 47 ألف دولار حسب مجلة فوربس".

كان من الممكن أن تنشر كل صحف العالم الخبر المذكور أعلاه ضمن باقة الأخبار الطريفة والمنوّعة على صفحاتها الأخيرة، وربما كان العنوان هكذا: "باع سيارته من أجل كندورته!".

لكنني خيّبت ظنّ وكالات الأنباء العالمية ولم أبع سيارتي اللعينة ولا زلت استعملها منذ ذلك اليوم المشؤوم من شهر سبتمبر من سنة 2006. فبعد ستة أشهر من شراء السيارة لاحظت أن كندورتي تتسخ ببقع سوداء لا تزول حتى مع أفضل أنواع الصابون، والبقع دائماً تظهر حيث الجيب الأيمن للكندورة.

وقبل أن أظلم السيارة أجريت اختبارات عدة، وفي أحدها رحت أرتدي كنادير جديدة لمدة أسبوع وأنا أستعمل سيارة زوجتي، فكنت أذهب إلى العمل، وفي المساء أذهب إلى المقهى، وأفعل كل الأمور التي أفعلها غالباً، نزول صعود مِن وإلى، دخول خروج مِن وإلى، قعود قيام على ومِن، وفي مساء آخر يوم، فحصت كل الكنادير فلم لم أجد أثراً لأي بقعة، بل كانت الكنادير أشد بياضاً من لحظة تسلّمها من محل الخياطة.

وباءت كل محاولات تنظيف سيارتي بالفشل، خصوصاً أنني لا أعرف من أين تأتيني الضربة. غسلت حزام الأمان وكذلك القفل الخاص به، وغسلت المقعد، والمكابح اليدوية، والمقود، وأطراف الباب، ومكان الخطاف الذي يشبك قفل الباب به، حيث توجد زيوت التشحيم، لكن لا فائدة. وبقيت فترة أغطي المقعد بالكامل بنايلون، وفي فترة لاحقة كنت أضع ملاءة بيضاء في السيارة، فأربطها على خصري مثل "الوزار" قبل الصعود إلى السيارة، لكن البقع السوداء تنتشر أكثر، على الكندورة فقط، وتظل الملاءة ناصعة البياض. ومحل الخياطة يكسب المزيد من النقود؛ لأنني أضطر إلى تفصيل كنادير جديدة كل شهر تقريباً.

وكنت قبل شراء هذه السيارة أتظاهر بأنني متفاجئ بلطخة على كندورتي إن لاحظها أحدهم، وتكون اللطخة أصلاً قديمة، فأقول وأنا أحاول إزالتها: "أوه.. كيف حصل هذا؟"، لكنني لم أعد أحتاج إلى افتعال هذه المفاجأة؛ لأنني فعلاً أفاجأ ببقع على الجيب الأيمن لا أعرف مصدرها.

ولأنني أشكّ بحزام الأمان كثيراً، فلم أعد أستعمله كلما فصّلت كنادير جديدة، مخاطراً بحياتي لأحظى بأيام من الثوب النظيف، ومع هذا، فإن البقع تظهر شيئاً فشيئاً.

وبسبب هذه البقع، ارتديت للمرة الأولى في حياتي كنادير رمادية اللون وأخرى بنّية، لكن البقع بدت ظاهرة للعيان، وكان آخر الدواء اللون الأسود، ففصلت كندورة سوداء واحدة لكن للأسف خلعتها فور ارتدائها، إذ كانت هيئتي مضحكة كأنني فقمة بحرية.  

والآن إلى الجزء المهم من هذا الحديث، فربما كان كل شخص في العالم قرأ ذلك الخبر المتخيّل يقول في نفسه: "هذا هو البطر بأم عينه.. النعمة زوّالة يا مواطن يا إماراتي.. تبيع سيارتك من أجل كندورتك!". وكانت حقنة إحصائيات مجلة فوربس التي دعمت الخبر ستنشر المزيد من الامتعاض في أوردة قارئ الخبر، لكنك الآن، وبعد أن عرفت التفاصيل والمعاناة والاختبارات وارتداء ملاءة كلما صعدت السيارة، ألا تلتمس لي العذر لو كنت قد بعت سيارتي فعلاً؟ هل يمكن العيش لمدة خمس سنوات ونصف السنة مع كنادير مبقعة كأنني شحّاذ محتال؟ هل أحتاج أن أذكر لك عدد المرات التي دخلت فيها في جدال مع زوجتي بسبب تلك البقع، وبسبب الصابون، وبسبب كل شيء آخر يثير أعصابي كلما ارتديت كندورة مبقعة؟ هل يمكن أن تتصور أن أحد أبنائي أصغر سناً من تلك البقع، وأنه يعتقد أن الملاءة، أو كيس النايلون، جزء لا يتجزء من السيارة؟

حين نقرأ خبراً طريفاً، أو يصل إلى علمنا أن فلاناً فعل كذا وكذا، فإننا في الغالب نحكم من خلال أسطر منشورة ما كانت لولا مجلدات مستورة عنا مهّدت لها. 

من الأقوال الدارجة أن "الشيطان يكمن في التفاصيل"، ولو كانت البشرية تستمع إليّ وتعتبر ما أقوله كلمات مأثورة، فإنني سأضيف قائلاً: "والشيطان يحكم قبل معرفة التفاصيل".


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01