search
إصدارات
ارتباطات
هل رأيت ما فعله الحيوان يا عمي؟
15/12/2012

في أول شبابي كنت أعمل موظفاً على باب الله في النيابة العامة، حيث المكان الذي يعجّ بذوي الأردية السوداء. وكنت أبالغ في احترام هؤلاء الأفاضل، فأبادر بالسلام عليهم، وألبي طلباتهم فوراً، وأقف كالتلاميذ أمامهم أستمع إليهم كأنهم الآباء المؤسسين للنظام القضائي في العالم، وأطير من الفرح لو تودّد إلي أحدهم وأخذ يعاملني كصديق، لكن أحد هؤلاء الأصدقاء فضفض أمامي عن سرّ اختياره هذه المهنة، فسقط وأسقط رفاقه في المهنة من عيني.

قال بعفوية، وصدق، إنه كان يعمل في القطاع الحكومي، وبقي سنوات أسيراً لنظام صارم في الحضور والإنصراف، وفي المقابل، لم يكن الراتب الشهري مجزياً، فقرر الدخول في سلك المحاماة، لنيل حريته، والتمتع بالمكانة الاجتماعية، إضافة إلى المردود المالي المرتفع لهذه المهنة.  

كنت متفاجئاً بكلامه، ولم يخطر ببالي أن يكون سر الدخول في مهنة المحاماة مبتذلاً إلى هذا الحد، فهذه مهنة نبيلة ولا بد أن تكون دوافع من يلتحق بها بمستوى المهنة، وإلا ما الفرق بين المحامي وبين السبّاك الذي لا يلتزم في عمله بمواعيد حضور وانصراف، ويتمتع بمكانة عالية فوق أسطح البيوت، وتدرّ عليه مهنته دخلاً مرتفعاً؟

صحيح أنني لم أكن أعمل في النيابة العامة لخدمة العدالة وإنما للوقوف آخر الشهر أمام جهاز الصرّاف الآلي، لكن شتان بين المهن البسيطة والمهن العظيمة، إذ كنت أتوقع من صديقي المحامي أن يرفع طرفه نحو السماء ويقول: في الحقيقة أنا لم أختر المحاماة بمحض إرادتي، وإنما هي إرادة السماء، فقد زارني ملاك في المنام وقال لي وهو يقدّم إلي الرداء الأسود: قم يا صاحب الرسالة السامية! هذا ثوبك في الدنيا، فتساءلت بقلق: أرجل دين يا أيها الملاك؟ فقال: لا تكن غبياً، أنت بالكاد تؤدي فروضك اليومية، هذا الزي المعتمد للمحامين، وقد تم اختيارك لإرساء العدالة في الأرض، ومسح دموع المظلومين وصفع وجوه الظالمين. أفقت من نومي يا صديقي وانطلقت إلى عملي وتقدمت باستقالتي لأتفرّغ للمسؤولية العظيمة التي ألقيت على كاهلي، وإنني يا أخي أبذل كل ما في وسعي لإعطاء كل ذي حق حقه، وكل ذلك خالصاً لوجه الله تعالى.

ومع ظهور القنوات الفضائية الإخبارية أدركت الخطأ الذي وقع فيه صديقي المحامي، إذ كان عليه أن يكذب علي قليلاً، فلا عيش إلا بالتكاذب، لذلك ترفع تلك القنوات شعارات برّاقة تسلب ما تبقى من عقل في أدمغة العقلاء، كشعار "الرأي والرأي الآخر" أو "من قلب الحدث" أو "أن تعرف أكثر"، إذ ليس من المعقول أن تكون صادقة جداً وترفع شعار "الرأي هو رأي مالك القناة"، أو شعار "الحقيقة كما يريد رئيس مجلس إدارة القناة أن يروّج لها"، أو "من قلب الحدث إن كان يؤيد توجهاتنا"، أو "أن تعرف أكثر ما نودّ أن تعرفه، علماً بأننا سنحرص على ألا تعرف ما لا نودّ أن تعرفه، وإن لم يكن هناك بدٌ من كشف الحقيقة، فإننا سنحاول التشويش عليها بالمداخلات الهاتفية لشخصيات محترفة في فن تحوير الكلام وبالصور واللقطات المنتقاة بعناية أم حريصة على تربية أولادها تربية صالحة".

ولن تصدر صحيفة وقد كتبت على صدر صفحتها الأولى عبارة "جريدة لها أجندات غير واضحة لكم لكنها موجودة وإلا ما الدافع وراء صرف الملايين على هذه الأوراق؟"، أو "المُموّل أولاً"، أو "إن الحياة غنيمة ونفاق" أو "صوت الذين يدفعون أكثر".  

وإذا اصطادت كاميرا التلفزيون عدّاء أولمبياً أثناء وقوفه وهو يلهث أمام منصّة التتويج، فأسرع إليه المذيع وهو يمد إليه المايكرفون، وسأله: ما هو شعورك بعد تحقيق الميدالية الذهبية؟ فإنه لن يجذب المايكرفون من يد المذيع ويتوجّه بالكلام إلى الكاميرا مباشرة: لا أحد يعرف شعوري في هذه اللحظة سوى عمي الأحمق وابنه الفاشل، فهل تذكر يا عمي حين كنت تصفني بأنني أبله وحيوان ورأسي مثل البطيخة؟ (وهو يشير إلى رأسه) هل رأيت ما فعله الحيوان؟ (وهو يرفع قميصه) وهل تعرف مصير ابنك الفاشل؟

- ولمن تهدي هذا الإنجاز الرائع؟

- بالطبع أهديه لعمي، ولابنه، ولكل شخص كان يعتقد أنني إنسان غير جدير بالاحترام.

- وما هو طموحك في المستقبل؟

- طموحي أن أتسلّم قيمة الجائزة نقداً وأشتري سيارة مثل الناس ألفت بها أنظار الفتيات. هذا هو حلمي منذ الصغر، ومنذ أول خطوة في مشواري مع الجري. كنت غبياً في المدرسة، ولا أعرف أي شيء سوى الجري بلا توقف، وحين كبرت أخذت ألاحق حافلات بنات المدرسة ركضاً، لكنني من الآن فصاعداً، سأدشن مرحلة جديدة في حياتي العاطفية بامتلاك سيارة. 

لا يمكن أن يحدث هذا المشهد، حتى لو كانت هذه هي المشاعر الحقيقية للبطل الأولمبي، فشعوره الذي يجب أن يعبّر عنه، والذي سيعجبنا، هو أن يلتزم بـ"عُرف المشاعر"، بأن يكون ممتناً لمن وقف إلى جانبه في مشواره، وأن يهدي الميدالية لأبناء شعبه، وأن يكون طموحه تحقيق المزيد من الانتصارات، ورفع علم بلاده في مختلف المحافل والميادين.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01