search
إصدارات
ارتباطات
عوامل سكتة الصداقة
22/12/2012

كنت أتمنى لو كان كاتب هذا المقال شخصاً غيري، لكن للأسف، الجميع منهمك في الكتابة عن "الربيع العربي" كأنهم في قاعة امتحان الثانوية العامة مادة "التعبير".

ورغم أنني لن أستفيد من كتابة هذا المقال في الغرض الذي أقصد منه، ولن يقبل أصدقائي رأيي لأنني أحد أطراف القضية، فإنني آمل أن يستفيد منه غيري، ويرفعه في وجوه أصدقائه ويقول لهم: لحسن الحظ أن هذا الكاتب لم يجد شيئاً يكتب عنه فكتب في هذا الموضوع الذي لم نتفق بشأنه، ومن الأفضل أن نأخذ برأيه باعتباره شخصاً محايداً.

كانت البداية رائعة، عشرة أشخاص، نزيد واحداً أو ننقص واحداً بين الحين والآخر، نجتمع كل يوم خميس. فإذا كان الجو مناسباً سهرنا على رمال الصحراء، ملتفين حول كوار الشواء الذي تحتله أسياخ الكباب وعلى جانبيه إبريق الشاي ودلة القهوة. ولا نعود إلى بيوتنا إلا بطلوع الشمس. وإذا كان الجو غير صالح للاستخدام الآدمي، كنا نقفل أبواب "المول" من ورائنا ونصل البيت قبيل الفجر.

كنا على قلب رجل واحد، وكان القلب سليماً معافى يعمل بكفاءة. لكن مثل قلب الإنسان المهمل، تسبّبت "حركاتنا" في إنهاك القلب الموحّد، وارتفعت نسبة الكوليسترول في دماء الصداقة، وفي كل خميس كان الدم يتخثر أكثر، والشرايين تتصلّب بوتيرة أسرع، وما لم نعد إلى رشدنا، فإننا كمجموعة سنصل إلى درجة الذبحة الصدرية أو سكتة الصداقة.

وفي أحد الأيام قررنا حصر "الحركات" التي تفسد العلاقة بيننا، فكانت المحصّلة مثل الهمّ على قلب كل واحد منا. وعلى الرغم من جو الشفافية العالية التي سادت بيننا في ذلك اليوم، والاتفاق على عوامل إفساد علاقة الصداقة، إلا أننا لم نتفق على الأثر السيء لكل عامل. إذ كان كل واحد منا يرى "حركات" غيره من عظائم الأمور، بينما "حركاته" عادية ولا تثير الغضب كثيراً. 

فالذي كان يتأخر في الحضور مثلاً لكنه يحرص على البقاء إلى نهاية الجلسة، أعطى عامل التأخر أهمية ضئيلة وأعطى عامل البقاء كل الأهمية، والذي كان ملتزماً بالحضور في المواعيد لكنه يغادر سريعاً، قال العكس. وأصبحنا نختلف حول تأثير العوامل ولم نتفق حتى اليوم على شيء.  

فإذا حصل أن كانت هناك مجموعة من الشباب الحمقى مثلنا، فإنني، بصفتي شخصاً محايداً، سأضع العوامل حسب تأثيرها السيء، وسأعطي كل عامل نسبته المئوية، وهي كالتالي:

- 40 بالمئة لعدم الرد على الرسائل والمكالمات التنسيقية، إذ هي تمثل أساس كل جلسة، وعدم الرد، سواء بالموافقة أو الرفض، يعني العدم، خصوصاً أن الرد لا يكلّف إلا الضغط على مجموعة أزرار. فعلى أي أساس سيكون الاجتماع ما دمتم لم تتفقوا على مكان وموعد الجلسة؟ لا تكونوا أغبياء مثل بعض الناس.  

- 30 بالمئة لاعتبار التجمع شيئاً ثانوياً، خصوصاً إذا كان هذا التجمّع يحدث لمرة واحدة فقط في الأسبوع. فمن يتحجّج بالظروف، فلم لم يتحجج بظرف الاجتماع الأسبوعي للتملّص من المناسبة التي تحجج بها أمامكم؟ هو لم يفعل ذلك لأنه في قرارة نفسه يعتبر الانضمام إليكم آخر شيء يمكن أن يفعله بعد أن ينتهي كل شيء خطر ويخطر بباله. 

- 15 بالمئة لعدم الالتزام بمواعيد الحضور، إذ لا ينم ذلك إلا عن اللامبالاة بالآخرين والاستخفاف بالصداقة. كما أن الجميع لو أرادوا، يمكنهم أن يجدوا أعذاراً طويلة وعريضة لتأخرهم، وليس الشخص الذي يتأخر وحده هو الذي لديه بيت، وأسرة، وعيال، وعمل، ومشاوير، وأعباء، ومسؤوليات، خصوصاً إذا كان أهم شخصية في "الجروب" مجرد رئيس قسم في دائرة حكومية.

- 5 بالمئة للانشغال طيلة الوقت بأجهزة الهاتف المحمول، ويجب أن يسأل صاحب هذه العادة اللعينة نفسه: ماذا سيحصل لو فعل الجميع مثلي وانشغلوا بأجهزتهم؟ الجواب: ستكون الجلسة مجرد تجمع للذبذبات. وحين تجد يا هذا أن البقية غير مشغولين بالأجهزة، فلا يعني هذا أنهم لا يمتلكون مثلها، أو لا يرغبون في استعراض البرامج والرسائل كما تفعل، ولا يحلمون برسالة خاطئة من فتاة جميلة، لكنهم آثروا الانشغال بك لأنهم يحبونك أو على الأقل يحترمون حضورك، وأنت لا تستحق إلا "الجزمة".

- 3 بالمئة للاعتراض لمجرد الاعتراض، فأنت تضيع من وقتك الساعات في ترتيب الجلسة، فيأتي أحدهم وينسف كل شيء بكلمة واحدة. ولا تعتقد أن التعليقات هي خفة دم تُحسد عليها، وإنما غباء اجتماعي يُتعوّذ منه.

- 2.5 بالمئة للسخرية الموجهة من شخص أو أكثر إلى آخر، خصوصاً إذا كان هذا الآخر وديعاً ووقوراً وفي حاله. ومن كان يعتقد نفسه عادل إمام زمانه، فليتبادل السخرية مع من يعتقد نفسه سعيد صالح زمانه، وليس مع من يتعامل مع الآخرين كأنه رشدي أباظة.

- 2 بالمئة للإصرار على الذهاب إلى الأماكن نفسها. ومع هذا يجب ملاحظة أن من لا يعجبه التجمّع في المكان المعتاد، يقع عليه هو عبء البحث عن أماكن أخرى، مناسبة وملائمة، فمن يقترح، ينفّذ ما يقترحه.    

- 1.5 بالمئة لعدم وجود أنشطة بخلاف التجمّع على المائدة والثرثرة حولها. وهذا العامل مرتبط ارتباطاً لا يتجزأ بالعاملين الأول والثاني، فأي أنشطة يمكن إدراجها ما دامت حبال التواصل مقطوعة، وجذوة الحماسة هامدة.

- 0.5 بالمئة للسلبية، إذ لا يجوز أن يكتفي الصديق بالتبسّم والحرص على الحضور الفيزيائي فقط دون طرح وجهة نظره في القضايا المصيرية.

- 0.3 بالمئة لاصطحاب أشخاص غرباء على بقية المجموعة، ومن دون أخذ مشورتهم، خصوصاً إذا كان من يجلب في كل مرة صديقاً له، يقعد ماطاً شفتيه إن أحضر غيره صديقاً له، فيحاول أن يُشعره بأنه غير مرحب به ليقطع دابره عن المجموعة.

- 0.2 بالمئة لعدم القبول برأي شخص محايد في تحديد العوامل المؤثرة على قلب الصداقة، وعلى أهمية كل عامل منها.  

وهذه مئة، وسكتة قلبية وموت زؤام ينتظر الصداقة.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01