search
إصدارات
ارتباطات
7 سنوات من الصمت في القاعة
29/12/2012

سأعلق هذا المقال في الممر المؤدي إلى غرفتي، فأقف أمامه كل صباح قبل الانطلاق إلى عملي الجديد، على أمل ألا أكرر هناك تجربتي في حضور اللقاءات الفكرية والثقافية.

بعد سنوات قليلة من دخولي إلى عالم الكتابة، وصلتني أول دعوة للمشاركة في منتدى لكتّاب صفحة "وجهات نظر" بصحيفة "الاتحاد"، حيث كنت قد بدأت بالكتابة فيها مؤخراً. وبعد ليلة هانئة في غرفة خمس نجوم بفندق "قصر الإمارات"، دلفت إلى القاعة ووجدتني بين نخبة من الكتّاب والمفكرين العرب.

كنت أشعر برهبة الحضور وبأن وجهي باهت بين هذه الوجوه المألوفة على الفضائيات، والأسماء اللامعة التي يحرص الناس على التقاط الصور معهم، ووقعت عيناي على أقرب مقعد من باب الخروج، لكن كان توزيع المقاعد حسب الحروف الأبجدية، ووجدت اسمي على ورق مقوى موضوع في أقصى الطاولة مترامية الأطراف على هيئة حرف (U).

جلست مستمعاً وقد اتخذت قراراً بالتعلّم، فعن يميني دكتور وعن شمالي بروفيسور، وفي مواجهتي وزير إعلام سابق، وأنا أصغر الموجودين سناً، ولا أعرف كيف أقول كلاماً منمقاً ورائعاً شفاهة وعفو الخاطر، حيث لا تدقيق نحوي، ولا التقاطٌ للكلمات بعناية طبيب جرّاح أمام قلب مفتوح. كما أنني مدعو للحضور الفيزيائي وليس لإلقاء كلمة أو طرح ورقة، فماذا كنت سأضيف من بعد محمد عابد الجابري وأحمد البغدادي ومحمد السيد سعيد رحمهم الله؟

خلال يومين من جلسات المنتدى شارك الجميع في الكلام، إما بورقة، وإما بإدارة جلسة، وإما بتعقيب طويل أو قصير، إلا جناب "الأستاذ" كما كان مكتوباً على الورقة التي أمامي. وحين عُدت إلى البيت ارتقيتُ كرسياً ووضعت درع المشاركة فوق الرف العلوي لمكتبتي الصغيرة بينما زوجتي تقف خلفي وتقول في نفسها: زوجي القصير أصبح قامة من قامات الفكر العربي.

في العام نفسه، دُعيت لحضور لقاء ثقافي أقامته وزارة الثقافة بفندق "روتانا" العين باعتباري من الكتّاب الشباب، ولم يختلف وضعي الصامت عن المنتدى السابق، لكن في هذه المرة كان الجميع من الإمارات، وجلّهم ممن اعتادوا الحديث أمام الجمهور في المحافل العامة: دكاترة جامعات، رؤساء تحرير صحف، مديرو تلفزيونات وإذاعات، ويتقدمهم معالي الوزير.

في الطريق من دبي إلى أبوظبي لحضور منتدى "الاتحاد" الثاني، بعد سنة بالضبط من المنتدى الأول الذي أقيم في سنة 2006، كنت أعتقد أنني سأشارك هذه المرة ولو بجملة واحدة، فقدت زادت ثقتي في نفسي، وسيكون وجهي مألوفاً عندهم، وفعلاً أخذت أسجّل على ورقة بعض المداخلات، وأقرّب المايكرفون مني استعداداً للمشاركة، وأتنحنح ألف مرة ليكون صوتي هادراً، لكنني كلما رفعت يدي من تحت الطاولة إلى فوقها تمهيداً لرفعها عالياً، رفع غيري يده طالباً المشاركة، فكانت حروف كلماتي تتحول إلى نمل أسود صغير ثم تتجمّع في أقصى الورقة، وتبدأ في الزحف نحو أوراق الآخرين، وأفاجئ بغيري وهو يبدي الملاحظة نفسها تقريباً.

وحصل الأمر نفسه بالضبط في جميع لقاءات الوزارة ومنتديات الجريدة، وقضيت سبع سنوات وأنا أشارك مشكوراً كالكرسي المتحرك، لم أتفوّه خلالها بأي كلمة، فعدا عن "الاستيلاء" على مداخلاتي، فإنني غالباً لم أكن أجد ما أقوله، أو كنت أشعر بأن مشاركتي ستكون مجرد إثبات حضور، ليس فيها إضافة ولا إثراء لذلك الشيء الذي يسمى "حوار". لكن، ولله الحمد، فإن رفوف مكتبتي لم تعد تتسع للمزيد من الدروع والهدايا التذكارية، فأخذت أوزرعها على عيالي ليستفيدوا منها في حياتهم العلمية والعملية.

وكلما مضت سنة، انعقد لساني أكثر، وأتخيل أن أرفع يدي بعد سنوات الصمت، فأخطف أبصار الجميع، ويتهيئون لسماع ذلك المشارك السمين الصامت، ويحمدون الله على هذه الفرصة التاريخية، فإذا بي أقول: رغم احترامي لكم، فإنني أختلف مع جميع وجهات النظر المطروحة هنا، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: متى يحين موعد الهجوم على بوفيه الغداء؟

وبالطبع لم يلاحظ أحد خلال هذه السنوات القوقعة التي أجلس بداخلها، رغم أن الوجوه تتكرر تقريباً، لأنني لست غبياً لإعطاء هذا الانطباع عني، فأنا أول واحد يهتف بصوت عال "واضح.. واضح" إن أخذ من يجلس فوق المنصة ينقر المايكرفون ليتحقق من نقاء الصوت ويسأل: هل الصوت واضح؟

وفي فترات الاستراحة، أبادر بالسلام على الجميع، وأتبادل القفشات مع الودعاء منهم، وأخلق جواً من المشاركة مع السادة المنظمين، فكلمة مع المصوّر، وأخرى مع من يفرّغ تسجيلات اللقاء على أوراق لتنشر في الصحف، فيشعر الجميع بأنني أكثر شخص شارك وكان فاعلاً وأثرى الحوار.

وخلال هذه السنوات تدهورت ثقتي بنفسي ولله الحمد، ووصلت إلى مرحلة القناعة التامة بأنني لا أستطيع التفوّه بأي كلمة في لقاء عام، وكلما ومضت فكرة في رأسي وقررت المشاركة بها، غطت على الفكرة سُحب الصمت التي تراكمت على مر السنوات، فيصبح خيالي أعمى لا شيء فيه إلا الظلام المطبق.

وفي اللقاءات الأولى كنت أصغي باهتمام لئلا أفاجئ بسؤال أو طلب مشاركة فأقول كلاماً لا يمت للموضوع بصلة، وفي آخر سنتين، وبعد أن اعتدت هذا الوضع، صار بالي يغادر القاعة فوراً وأتخيل نفسي متربعاً تحت ظل شجرة وبيدي غصن به أوراق يساوي عدد الموجودين، وكلما نطق أحدهم نزعت منها ورقة، فأعود إلى غرفتي وفي يدي غصن من ورقة واحدة فقط.

وسنة تلو أخرى، أخسر أعذاري في البقاء صامتاً، إذ أكتشف وجود مشاركين أصغر سناً مني، وكتّاب شباب أُعدّ مخضرماً في الكتابة بالقياس إليهم، ومع هذا أجدهم للأسف فاعلين ومسموعين.

وكانت أسوأ اللحظات هي الدقائق المخصصة لطرح الأسئلة والمداخلات، فأقعد على أعصابي أدعو الله ألا يلاحظ أحد وجودي فيأخذ المايكرفون ويقول وهو يشير إلي: يا جماعة، دعونا نسمع رأي هذا الأخ الذي لم نفسح له المجال ليقول رأيه.

وكي أتجنب الوقوع في هذا المطب، كنت أبدد وقت الأسئلة والتعقيبات في الخروج من القاعة وأنا أحمل هاتفي المتحرك وأستغرق النظر فيه بما يوحي بأنني أتلقى اتصالاً مهماً، وعلى عتبة باب القاعة أكون قد ألصقت الهاتف على أذني، وحين أعود من جديد أواصل الضغط على الأزرار كأنني أنهي المكالمة اللعينة التي ضيعت علي فرصة المشاركة في المداخلات الثمينة.   

قد يلفت هذا المقال أنظار هواة المقالب، فيعطيني أحد المشاركين في اللقاءات المستقبلية المايكرفون ويطلب رأيي، وكنت أفضّل كتابة هذا المقال قبل وفاتي بيوم واحد، فأترك سرّي في هذا العالم ليفعل به من يشاء ما يشاء، لكنني بعد أيام قليلة سأبدأ عملي في مهنة تعتمد في جزء لا يستهان به على الحديث الشفهي أمام جمهور ليس بالقليل، ولو لم أنطق منذ اليوم الأول، فإنني سأكرر التجربة، وسأبروز ورقة فصلي من عملي وأضعها في مكتبتي، وسأموت من الجوع.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01