search
إصدارات
ارتباطات
لا علاقة إلا ببطاقة!
12/1/2013

قبل ربع قرن تعرفت إلى أحد الشباب وأصبحنا مع الأيام أصدقاء مقربين مثل رأسين في قبعة واحدة.

ولدواعي الصداقة والمجاملة، بقيت كل تلك السنوات لا أعصي له رأياً، وأقبل أي اقتراح منه حتى لو كان مثل وجهه الجميل، فإذا قال: السينما، قلت: هذه تذكرتي! وإذا قال: المطعم، قلت: أريد طبق فتوش مع كباب! وإذا قال: السفر، قلت: حقيبتي جاهزة!

لكنه منذ البداية وحتى النهاية كان يفعل العكس، فإذا قلت له: الرحلة! قال: هذا الأسبوع والذي يليه سأكون مشغولاً، وإذا قلت: الكوفي شوب! قال: المكان كئيب، وإذا قلت: معرض الكتاب! قال: هل نسيت أنني لا أحب القراءة؟!

وقبل فترة أجريت جرداً لمحتويات علاقتنا المديدة، فلم أجد في قائمة إجاباتي سوى: حاضر، ممتاز، اقتراح عظيم، هيا بنا. ولم أجد في قائمته سوى: كلا، ليس الآن، لا أستطيع، سأفكّر. فقررت، وبشكل طبيعي، معاملته بالمثل، فلم أنا الذي يجامل دائماً؟ ولم أكون حريصاً على أن يبقى صديقاً عزيزاً لي بينما هو حريص جداً على أن أكون ظلاً ظليلاً له؟

صرت أرفض نصف اقتراحاته، وأصرّ على نصف اقتراحاتي، وفي كل مرة يقول وهو يزمّ شفتيه: لقد تغيّرت.. لماذا تعاند؟! ما هي مشكلتك في الحياة؟! أنا أيضاً تزوجت وأنجبت الأطفال لكنني كما كنت، لا جديد، بعكسك تماماً! ولأنه حكم عليّ بأنني تغيّرت، فكان من الطبيعي أن يتغيّر هو أيضاً، على أساس المعاملة بالمثل. وبدأ كلانا يتلاشى من حياة الآخر، ولله الحمد.

وحين فكّرت بهدوء اعترفت لنفسي بأن الذنب ذنبي، فقد اعتاد هو على ذلك الشكل من العلاقة معي، يقترح فأُنفّذ، وأقترح فيُفنّد، وحين أحاول الخروج من القالب الذي وضعت نفسه فيه أمامه، فإنني أكون فعلاً قد تغيّرت. ولو كنت واضحاً معه منذ البداية، فلربما كانت صداقتنا قد أخذت منحى آخر، وربما قرر التخلّص مني بعد الاقتراح الأول، وربما كيّف نفسه على علاقة صداقة متوازنة.  

لذلك أقترح، والاقتراح بالحق فضيلة، بأن يطبع كل إنسان موجود على الأرض بطاقة تعريفية خاصة به، على الوجه الأول منها اسمه وعناوين الاتصال به، وعلى الوجه الآخر ملخص لطبائعه، فإذا التقى شخصاً وشعر بأنه سيكون له موضع قدم في حياته، أعطاه البطاقة، وهذا حرٌ بعد ذلك في اتخاذ قرار الانغماس في عسل الصداقة معه، أو الفرار بجلده.

بهذه البطاقة الرائعة سيعيش الجميع مرتاحو البال، يعرفون ما لهم وما عليهم، وستكون العلاقات الإنسانية قائمة على موازين القسط، ولن نسمع شخصاً يقول لآخر بنبرة أسى: "لقد تغيّرت"، فإذا حصل أن قيلت العبارة لشخص، فعلى المدعي إثبات ذلك بالعودة إلى البطاقة التعريفية، إذ لا يجوز أن يقول للمدعى عليه: لقد تغيّرت كثيراً، فأنت ثرثار! وكانت بطاقته التعريفية تقول منذ البداية: أنا ثرثار.

وأرجو ألا يخطر ببال القارئ أنني إنسان رائع أعضُّ على الجرح لئلا أزعج الآخرين بصرخاتي، ففي علاقة أخرى، كنت الطرف الذي شعر بأن الطرف الآخر تغيّر.

شخص دخل حياتي قبل فترة، ويبدو أنني أطلقت لساني عليه في بادئ الأمر لسبب ما، فردّ بابتسامة منه، ولا أذكر ما الذي حدث بعد ذلك، لكنني بمرور الأيام صرت أنظر إليه باعتباره كائناً حباه الله بجهاز تحمّل قوي، لا يهتز بأي كلمات سخيفة أوجهها ضده. وكان هو الشخص الوحيد في هذا العالم الذي لا أفكّر قبل أن أنطق أمامه، فأقول ثم أفكّر بما قلت. وحين كنت أشعر بأنني تماديت كثيراً وقطعت شوطاً لا يستهان به في التجريح، اعتذرت بأي كلمة وانتهى الأمر.

ويبدو أن ذلك الشخص أجرى الجرد المعتاد، فسمع صدى صوتي يتردد في أروقة علاقتنا: كلامك فارغ! أين عقلك؟ لا تتصرف مثل الأطفال! من الغباء أن تفكّر بهذه الطريقة!

في اليوم التالي لعملية الجرد، أسمعني ردّه القاسي الأول على كلمتي الجارحة رقم مليون، فأخذت أنظر إليه بتعجّب، وأقول في نفسي: ماذا دهاه بحق السماء؟ يبدو أنه تغيّر، كان إنساناً لطيفاً فإذا به ينقلب شخصاً بغيظاً.

وأصبح يصبّ في أذني سيلاً من الكلمات الجارحة في مقابل قطرة مني، وفشلت محاولاتي في إعادته إلى قطعة تحمّل تمتص كلماتي كأنه أسفنج، وفي تذكيره بالكائن الرائع الذي كان يبدو عليه في بادئ الأمر.

لم تنقطع علاقتي بذلك الشخص، وأقرّ بأن له كامل الحق في رد الصاع صاعين، وأعرف بأنه لم يصرخ إلا بعد أن لسعته بكلماتي في كل أنحاء جسمه، ولم يبقى فيه موضع سنتيمتر مربع واحد من تحمّل، لكنني مع هذا، كلما التقيت به أو خطر ببالي، قلت في نفسي: لقد تغيّر!


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01