search
إصدارات
ارتباطات
لست حملاً وديعاً
5/1/2013

يحكى أن فارساً عثر على رجل هائم على وجهه في الصحراء، فرقّ له قلبه وترجّل لنجدته، فغافله هذا وانطلق بحصانه، فصاح به الفارس: يا هذا، سأشتري حصاناً آخر من السوق، لكن من أين أشتري الرحمة التي انتزعتها من قلبي؟

ألهمتني هذه الحكاية كثيراً، فدهمت المقهى مقطب الحاجبين، ووقفت أجيل بصري في المكان وأمسح الوجوه بنظرات مأمور سجن إلى سجناء ضبطوا بالفوضى، واخترت أول طاولة واستبدلت الكرسي بآخر وأنا أجره على الأرض جراً عنيفاً، وألقيت جريدة كانت بيدي على الطاولة، ورفعت رأسي من جديد كأنني ليث غاضب يستطلع الأجواء، فرأيت أكثر من عامل ينظرون إلي بوجل، أو هكذا خيّل إلي، وكان أحدهم يسرع نحوي إلى أن وقف أمامي وسلّم، فلم أرد إلا بإيماءة من رأسي وجلست وأنا أقول: قهوة سكر زيادة وماء بارد.

فتحت الجريدة وأخذت أقلب صفحاتها، وبعد قليل حضر العامل يحمل الصينية. وضع قنينة الماء في متناول يدي، فدفعتها بعيداً عني، ثم راح يصب القهوة في الفنجان على مهل، وسألته عن الكوب وأنا ألوّح بيدي بما يعني التوقف عن صب المزيد من القهوة، فانطلق بسرعة اشتعال عود ثقاب لإحضاره، فرفعت الكوب أمام وجهي ورحت أقلب نظري فيه وقلت بحدة: متسخ! انطلق مسرعاً وعاد لكنني كنت أشرب من القنينة مباشرة فاقترب مني متردداً ووضع الكوب وأنا أسدد له نظرات مفترسة.

بعد قليل نظرت في وجه أحد العاملين وأنا أنفث دخان السيجارة صوبه، فبادلني النظرات لثوان فهتفت: تعال! حضر وسألته بتهكم ومن دون أن أنظر في وجهه عن سبب عدم إحضاره المنفضة، فأحضرها ثم توارى عني، فأشرت إلى عامل آخر بأن يفتح باب المقهى على مصراعيه، وكانت أقرب الطاولات إلى طاولتي يجلس إليها مجموعة أشخاص يلعبون طاولة النرد وهم متدثرين بالمعاطف ويفركون أيديهم بين الحين والآخر، وفوجئوا بالباب يُفتح ويهبّ عليهم هواء بارد، فرأيتهم من طرف عيني وهم ينظرون إلي ويتهامسون بكلام لا بد أن يكون سباً لائقاً.   

بعد قليل طلبت فنجان آخر، وقلت: أريد قهوة طازجة، فقال العامل بنبرة مرح كأنه يعرفني منذ عقود إنها طازجة، فقلت بإصرار: ليست طازجة. أحضر الفنجان الثاني وأخذت أرتشف منه ببطء وأنا أقرأ في الجريدة التي أمامي. وفجأة أشرت بيدي بما يعني الحساب. أحضروا الفاتورة بداخل حافظة من الجلد الأسود، وضعت مبلغاً يفوق مبلغ الحساب بقليل فوق حافظة الجلد وغادرت المكان وعلى طاولتي جريدة مفتوحة، بينما الأوراق المالية على وشك التطاير إلى داخل المقهى.  

أكمل الآن أسبوعي الثاني في هذا المقهى، ومع هذا، فإنني في كل زيارة أدخل كأنها المرة الأولى، وأعتبر الزبائن حفنة من الأعداء. وفي كل مرة لا بد أن أعترض، فتارة القناة التلفزيونية مزعجة، وتارة صوت الأغاني مرتفع، وتارة نهيق الحمير الصادر من جناح العائلات لا بد أن يتوقف.

لا يهمني الانطباع الذي أخذه عني العاملون أو الزبائن الدائمون، كل ما كان يهمني هو ألا يعتقدوا أنني كائن وديع، ففي المقهى السابق، وجميع المقاهي التي ترددت عليها منذ أكثر من عقد، كنت أدخل مطأطئ الرأس كأنني شحاذ سآكل وأشرب على نفقة أهل الخير من رواد المقهى، وأطلب كابتشينو، ولا أتفوّه بكلمة إن أخطأوا وأحضروا لي شاياً أخضر، وأختار أن أقعد في مواجهة جهاز التكييف؛ لأن الجو حار، فيحضر أحدهم ويغلقه لأنه يشعر بالبرد.

وفي أيام اكتظاظ المقهى بجمهور نادي برشلونة والنادي التعيس الآخر الذي يسمى ريال مدريد، فإن العاملين فيه كانوا يختارون طاولتي بالذات ليجلس إليها زبون آخر، فنتقاسم الطاولة وأحرص على ألا أوذي شريكي بالدخان بينما هو يحرص على أن يودع في صدري دخانه النتن، ويصرخ في أذني كلما سدد أحدهم الكرة وأنا أدفن رأسي في كمبيوتري المحمول مشتت الذهن ألعن ميسي، والزبون، والمقهى، ووجودي فيه، وأحياناً يكون الشريك وقحاً لدرجة أنه يبدأ في تغيير وضعية الطاولة لتلائم جلسته، كأنني مجرد كرسي.

وكنت أحرص دائماً على ترك الصحف التي أحضرها معي بعد الانتهاء من قراءتها مرتبة على طاولتي، وحصل أكثر من مرة أن سحب الزبون الصحيفة من دون أن ينطق بكلمة شكر أو حتى يستأذن في ذلك، بل ربما خطر بباله أنني أخذت الصحيفة من رفوف الصحف في المقهى ولم أقم بإعادتها إلى مكانها.

يجب أن أواصل أداء دور سلطان المقاهي، فلو شعروا في لحظة واحدة بأنني أمثل هذا الدور، وأنني في الحقيقة حمل وديع، فإنهم سيبدؤون في ذبحي بتصرفاتهم، وسأبدأ رحلة البحث عن مقهى جديد.


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01