search
إصدارات
ارتباطات
من الحفّاظة إلى الكفن
19/1/2013

سمع أحد أصدقائي من العائلة حكايتي الغريبة مع الحفّاظات، فطار بها وأخبر بقية الصغار بأنني كنت أرتدي الحفّاظات إلى ما قبل دخول المدرسة بأشهر قليلة، وأن أهلي أحاطوا جزئي السفلي بذلك الحزام الوثير لئلا أنسف أرضية منزلنا بالقنابل العنقودية.

والحقيقة أنني بعد أن بلغت الثالثة من العمر، وهي السن التي يفترض فيها بالطفل أن يعتمد على "هافه"، أو على نفسه في الذهاب إلى دار قضاء الحاجة، بدأت الحفّاظات تجد طريقها إلى (...) الأطفال حديثي الولادة.

ولأن الوالدة كانت تعرف أنني آخر العنقود إلى الأبد، بعد أن أجرت عملية على إثر ولادتي تحول دون حدوث حمل جديد، فقد شُقّ عليها أن تنجب أحد عشر إنساناً ولا يتشرّف أي واحد منهم بلبس ذلك الابتكار الجديد.

صدر الأمر السامي من أمي بارتدائي "البامبرز" في سن الثالثة، وهناك رواية تقول إنني كنت آنذاك في الخامسة من عمري، وهي الرواية التي تلقفها ذلك الصديق واعتمدها أقراني للسخرية مني. 

ولم أكن أتذكر أي شيء عن ارتداء "البامبرز" لأستطيع الرد عليهم بالأدلة والبراهين، خصوصاً مع تضارب أقوال الشهود، لكنهم اتفقوا على شيء واحد هو إنني كنت أذرف الدموع وأرفس بقدمي أثناء طرحي أرضاً للفّ الحفّاظة حولي، ربما لشعوري حينها بأنني لست جديراً بالثقة، ولست كفؤاً في نظرهم للاعتماد على نفسي، ومعاملتي كأقراني الذين كانوا يلبسون "الهافات" الرياضية.

قبل أيام قليلة نزعت الورقة الأخيرة من روزنامة عمر الثامنة والثلاثين، وتسلّمت واحدة جديدة مكتوب عليها "39 سنة"، وبسرعة قمت بعدّ صفحاتها وفوجئت بأنها من 365 صفحة فقط، وهذا يعني أنني بعد إلقاء هذه الروزنامة في "زبالة" الأيام، سأتسلّم روزنامة أخرى لعمر "40 سنة".

يا الله! أذكر أنني بالأمس - في عمر العشرين - كنت أقول لأصدقائي وأنا أرسل الضحكات: أمامنا 20 سنة لنتغير، لا تتعجبوا الآن من تصرفاتنا الخرقاء، ولا تتعجلوا النضوج والحكمة، فنحن في سن اللهو واللعب، ويجب أن نفرح ونضحك، وأن نستغل كل دقيقة من المهلة الطويلة جداً لبدء مرحلة التغيير.  

كان سن الأربعين بعيداً في نظرنا، بل أبعد حتى من سن السبعين، وكنت أقول لأصدقائي: ستقوم القيامة قبل أن نبلغ الأربعين، وكنّا كلما تسلّمنا روزنامة جديدة، حسبنا المهلة المتبقية بلا اهتمام، وقلنا: باقٍ لنا 15 سنة كافية لتأسيس دولة وليس لمجرد تغيير بعض الطبائع. باقٍ لنا 12 سنة يدخل في أولها الطفل المدرسة ويتخرج في آخرها على أعتاب الجامعة، ومن الطبيعي أننا لا نحتاج إلى كل تلك السنوات لنبدأ التغيير. باقٍ لنا 8 سنوات، ههه، في مثل هذه المدة يمكن أن يتزوج المرء وينجب نصف "دزينة" من الأطفال. باقٍ لنا 3 سنوات، وهي الفترة التي استغرقت تشييد أطول بناء في العالم، برج "خليفة" بدبي، فهل يعقل أننا سنحتاج إلى مدة أكثر من مدة بناء ذلك البرج الشاهق، لنتغير قليلاً؟!

الآن أقول: باقٍ لي 365 يوماً، لا تكفي حتى لبناء كوخ صغير، فما بالكم بتغيير عادات وطبائع ترسّخت جذورها في تربة روح إنسان مخضرم مثلي؟!

لم يبق على الأربعين إلا أيام معدودات، ولا أرى في الأفق القريب غيوم التغيير التي سترسل لي الحكمة والبصيرة مدراراً، وستغسل مياهها العذبة روحي من مخلفات الماضي، وتغطي صوت رعودها على "سوالف" الشباب، بل إنني أحاول هذه الأيام إقناع نفسي بأن الحد الفاصل بين الجدل والهزل هو سن الخمسين، وأخشى أن تتبدل غيوم التغيير إن لم تجد أرضاً أربعينية مهيئة، لتصبح سُحباً سوداء تمطر الشقاء وتصبّ اللعنات.  

قرأت مرة في كتاب -لا أذكره الآن- أن المرء إذا بلغ الأربعين ولم يستقم أمره على الصراط المستقيم، فإن الشيطان "يفعلها" على وجهه، ويقول وهو يدفعه إلى هوّة الندامة: هذا من أتباعي!

وقد يكون هذا القول مختلقاً لا سند له، لكن معناه قد يكون صحيحاً، فالإنسان لا ينضج عقله إلا إذا بلغ الأربعين، أي أنني مجنون الآن، وإذا كَمُل عقله فإن مسؤوليته تجاه نفسه تصبح كبيرة وثقيلة، ولو بقي في مسلكه شيء من عدم الاتزان واللف والدوران، فإن (...) الشيطان بانتظاره.

اقتربتُ كثيراً من الموعد النهائي ولم أتغير تغييراً جذرياً، ومن الأعماق، كما كنت أتصوّر أن يحدث، لكن كيف يحدث و"مَن شب على شيء شاب عليه"؟! وكيف يحدث وأنا لم أغيّر ما بنفسي بنسبة ولو بنسبة 1 بالمئة، لينعم الله عليّ بالتغيير بنسبة 100 بالمئة؟ أختنق بعبرتي وأحسّ بمرارة التغيير في حلقي، فهذا يتطلب رياضة ومجاهدة أشفق على نفسي منهما.

ألبستني الوالدة "البامبرز" بعد أن بلغت الثالثة من العمر، أو الخامسة، وأسمع الآن ضحكات إبليس وسخريته وهو يقول: لقد كنتْ غبياً بلا شك ولا تعرف مصلحتك حين أخذتْ تقفز فرحاً بارتداء "الشورت"، ثم الإزار، ثم الكفن، بعد عمرٍ طويل يا صديقي، لكن لا جديد فيه. 


Share |
|
|
|
حقوق نشر المقالات في الإنترنت وتداولها إلكترونياً غير محفوظة.. لكن يرجى الإشارة إلى المصدر
كل رأي منشور هنا يعبّر بالضرورة عني وقت كتابته
 
موقع الكاتب أحمد أميري
أطلق الموقع رسمياً في 2010/10/01